فأنت ترى ان هذه الأقوال وهي أظهر ما قيل في الآية منها ما يرجع إلى وقت التوبة ومنها ما يتعلق بالذنب الذي تيب عنه . وللأستاذ الامام وجه يتعلق بصفة التوبة وكيفيتها . فقد ذكر في الدرس ان أولئك الكافرين الذين ازدادوا كفرا قد يحدث لهم في أنفسهم ألم من مقاومة الحق وقد يحملهم ذلك الألم على ترك بعض الذنوب والشرور ، قال فهذا النوع من التوبة لا يقبل منهم ما لم يصلحوا أمرهم ويخلصوا للّه في اتباع الحق ونصرته ، فالتوبة التي يزعمونها على ما هم عليه من مقاومة المحقين لا يقبلها اللّه تعالى ، يعنى انه قد يقع من هؤلاء نوع من التوبة لا يكون مطهرا لأنفسهم من جميع ما لصق بها من الكفر والأوزار وليس هذا عين قول من قال إن توبتهم هذه التي لا تقبل هي توبة في الظاهر دون الباطن وباللسان دون القلب فان ذلك نفى للتوبة وهذا إثبات لها بل هو قريب من قول ابن جرير الذي هو أظهر الأقوال السابقة
وقد يكون مراد الأستاذ الامام أن النفوس قد توغل في الشر وتتمكن في الكفر حتى تحيط بها خطيئتها وتصل إلى ما عبر عنه القرآن بالرين والطبع والختم على القلوب . فإذا كان صاحب هذه النفس قد جحد الحق عنادا واستكبارا وضل على علم فلا يبعد أن تحدثه نفسه بالتوبة وأن يحاولها ولكن يكون له في نفسه من الموانع والحوائل دون قبولها للخير والحق ما يكون هو السبب لعدم قبولها فان قبول التوبة المستلزم لمغفرة ذنب التائب ليس من قبيل العطاء الجزاف والأمر الأنف وإنما يكون بموافقة سنن اللّه في الفطرة الانسانية ذلك ان من مقتضى الفطرة السليمة أن يحدث لها العلم بقبح الذنب وسوء عاقبته ألما يحملها على تركه ومحو أثره المدنس لها بعمل صالح يحدث فيها أثرا مضادا لذلك الأثر وبهذا تكون التوبة معدة صاحبها ومؤهلة له للمغفرة التي هي ترك العقوبة على الذنب المترتب على محو سببه وهو تدنيس النفس وتدسيتها
( 91 : 9 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 10 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها )
فإذا بلغت التدسية من بعضها مبلغا تتعذر معه التزكية على مريدها أو محاولها صح أن يعبر عن ذلك بعدم قبول توبة صاحب هذه النفس . مثال ذلك الثوب الأبيض الناصع يصيبه لوث فيستقبح ذلك