صاحبه فيغسله فينظف فإذا كان اللوث قليلا وبادر إلى غسله بعيد طروئه يرجى أن يزول حتى لا يبقى له أثر . ولكن هذا الثوب إذا دس في الأقذار سنين كثيرة حتى تخللت جميع خيوطه وتمكنت منها فاصطبغ بها صبغة جديدة ثابتة تعذر تنظيفه وإعادته إلى نصاعته الأولى . وبين هذه الدرجة وما قبلها درجات كثيرة . وقد أشير إلى الطرفين بقوله تعالى
( 4 : 17 إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 18 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً )
تلك حالة هذا الصنف من الهازئين بالدين المتقلبين في الكفر العريقين في الشر . ولذلك سجل عليهم الرسوخ في الضلال بصيغة القصر أو الحصر فقال
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
المتمكنون من الضلال حتى كأنه محصور فيهم وحسبك بضال لا ترجى هدايته ، ولا تقبل توبته ، ونعوذ باللّه من الخذلان
* * *
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
وهؤلاء هم القسم الثالث من أقسام الكافرين في الآيات . فالأول من يتوبون توبة مقبولة من الكفر ويعملون الصالحات فيستحقون المغفرة والرحمة . والثاني من يتوبون توبة غير مقبولة إما لفسادها في نفسها وإما لأنها توبة عن بعض أعمال الكفر مع البقاء عليه وقد تقدم حكمها . أما هؤلاء الذين يقيمون على الكفر وأعماله حتى يدركهم الموت على ذلك
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً
إذا كان قد تصدق به في الدنيا لأن الكفر يحبط كل عمل
( 25 : 23 وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً )
فهو لا يفيد في نجاتهم من العذاب الآتي ذكره في الآية لأن من لم ترتق روحه في الدنيا إلى درجة الايمان الصحيح باللّه واليوم الآخر فإنها لا ترتقى في الآخرة من الهاوية التي تسمى النار والجحيم إلى درجة من الدرجات العلى التي تكون في الجنة
وَلَوِ افْتَدى بِهِ
في الآخرة على فرض انه يملكه بأن أراد أن يجعله جزاء نجاته والعفو عنه كما يفعل الناس من الحكام الظالمين فإنه لا يقبل منه أيضا قال تعالى في وعيد المنافقين
( 57 : 15 فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ