قال النيسابوري فان قيل إن جد القوم في حفظ اتباعهم عن قبول دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه فكيف يليق أن يوصى بعضهم بعضا بالاقرار بما يدل على صحة دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب ؟ فالجواب ليس المراد من هذا النهى الأمر بافشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم بل المراد أنه إن اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم . على أنه يحتمل أن يكون شائعا ولكن البغى والحسد كان يحملهم على الكتمان عن غيرهم . هذا ما قاله وهو مبنى على أن المراد من الايمان إظهاره والظاهر أن المراد به النهى عن تصديق من يقول ذلك من غيرهم أي الاعتراف له بأنه صادق كأنهم قالوا إذا قال لكم قائل إنه يجوز أن يؤتى غيركم من النبوة مثل ما أوتيتم فكذبوه ولا تؤمنوا له . والمفهوم مسكوت عنه وهو مفهوم مخالفة ، فيه من الخلاف في الأصول ما هو مشهور وإذا قلنا به فإنه يصدق بأن يؤمنوا لبعض أهل دينهم إذا قالوا بهذا الجواز كالمتفقين معهم على المكابرة والمكايدة للتنفير عن الاسلام . وأهل الجحود والكيد لا يكابر بعضهم بعضا فيما هو حجة للمخالف عليهم جميعا وإنما يكابرون المخالفين
ثم قال النيسابوري فان قيل كيف وقع قوله
« قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ »
بين جزئي كلام واحد وهذا لا يليق بكلام الفصحاء ؟ قلت قال القفال يحتمل أن يكون هذا كلاما أمر اللّه نبيه ان يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولا باطلا لا جرم أدب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقابله بقول حق ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولا فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة : آمنت باللّه ، أو لا إله إلا اللّه ، أو تعالى اللّه ، ثم يعود إلى تلك الحكاية ا ه
أقول : ويجوز على هذا الوجه أن تكون الباء المحذوفة من
« أَنْ يُؤْتى »
للسببية ويكون المعنى آمنوا وجه النهار مخادعة واكفروا آخره مكايدة ولا تؤمنوا إيمانا حقيقيا ثابتا إلا لمن تبع دينكم وأقركم على ما أنتم عليه من التوراة بسبب إتيان أحد كمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم مثل ما أوتيتم من النبوة والوحي أو بسبب ما يخشى من محاجته