وعسى أن يعتبر هؤلاء بما رد اللّه به على أهل الكتاب إذ قال لنبيه
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
لا هدى شعب معين هو لازم من لوازم ذاته فهو سبحانه يبين هداه على لسان من شاء من عباده لا تتقيد مشيئته بأحد ولا بشعب . أما قوله
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ
وقد قرأه ابن كثير « أآن » بهمزتين مع تليين الثانية والباقون بهمزة واحدة - ففيه وجهان أحدهما أنه متصل بما حكاه تعالى من قول اليهود وجملة
« قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ »
اعتراضية بينه وبين ما سبقه . والمعنى ولا تصدقوا غير من تبع دينكم بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو يقيموا عليكم الحجة عند ربكم ، أي لا تعترفوا أمام العرب مثلا بأنكم تعتقدون أنه يجوز أن يبعث نبي من غير بني إسرائيل الخ وهذا مبنى على أنهم كانوا ينكرون جوار بعثة نبي من العرب بألسنتهم مكابرة وعنادا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا اعتقادا وأنهم كانوا لا يصرحون باعتقادهم المستكن في أنفسهم إلا لمن آمنوا له من قومهم لما هم عليه من المنكر والمخادعة . وهذا الوجه ظاهر على قراءة الجمهور . هذا ما ظهر لي وهو نحو ما جرى عليه الزمخشري في الكشاف كما رأيته بعد . قال : أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم . أرادوا :
أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب اللّه مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الاسلام . ( قال )
« أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ »
عطف على
« أَنْ يُؤْتى »
والضمير في يحاجونكم لأحد لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم ان المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند اللّه تعالى بالحجة . فان قلت فما معنى الاعتراض ؟ قلت معناه أن الهدى هدى اللّه من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الاسلام كان كذلك ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين . وكذلك قوله تعالى
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
يريد الهداية والتوفيق ا ه كلام الزمخشري اى فهو مؤكد للاعتراض الأول أو هو اعتراض آخر يجئ بعد تمام الكلام . كقوله
( وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ )
بعد قوله
( 27 : 34 إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها )