الاحكام اتباعا للهوى ، فيجعلون الكتاب قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا ويأكلون بذلك السحت وقد بين اللّه لهم على لسان رسوله كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب كما سيأتي في سورة المائدة وغيرها إن شاء اللّه تعالى
والآية حجة على الحشوية المقلدين من هذه الأمة الذين يخلطون الحق المنزل بآراء الناس ويجعلون كل ذلك دينا سماويا وشرعا إلهيا
ثم قال تعالى
* * *
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
قال السيوطي في أسباب النزول روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال قال عبد اللّه بن الصيف وعدى بن زيد والحارث بن عوف بعضهم لبعض : تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم فأنزل اللّه فيهم
« يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ »
إلى قوله
« واسِعٌ عَلِيمٌ »
أقول : وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال قال بعض أهل الكتاب لبعض :
« أعطوهم الرضى بدينهم أول النهاروا كفروا آخره فإنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم فيها ما تكرهون وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم . وأخرج أيضا عن السدى أنه قال فيها كان أحبار قرى عربية إثنى عشر حبرا فقالوا لبعضهم ادخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا نشهد أن محمدا حق صادق فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا أن محمدا كاذب وأنتم لستم على شئ وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب الينا من دينكم لعلهم يشكون فيقولون هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم ؟ » فأخبر اللّه عز وجل رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك . وروى أنهم فعلوا ذلك ولم يقفوا عند حد القول فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد قال « يهود صلت مع محمد صلاة الصبح وكفروا آخر النهار مكرا منهم ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كأنها اتبعره »
وقال الأستاذ الامام : هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الاسلام مبنى على قاعدة طبيعية في البشر وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه . وقد فقه هذا هرقل صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون