تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عندما دعاه إلى الاسلام « هل يرجع عنه من دخل في دينه ؟ فقال أبو سفيان : لا » وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الاسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه ، واطلعوا على باطنه وخوافيه ، إذ لا يعقل أن يترك الانسان الحق بعد معرفته ، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب . فان قيل : إن بعض الناس قد ارتدوا عن الاسلام بعد الدخول فيه رغبة لا حيلة ومكيدة ، كما كاد هؤلاء . فماذا تقول في هؤلاء ؟ والجواب عن هذا يرجع إلى قاعدة أخرى ، وهي ان بعض الناس قد يدخل في الشئ رغبة فيه لاعتقاده أن فيه منفعة له لا لاعتقاده أنه حق في نفسه ، فإذا بدا له في ذلك ما لم يكن يحتسب وخاب ظنه في المنفعة فإنه يترك ذلك الشئ ، ويظهر لي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لارجاع الناس عن الاسلام بالتشكيك فيه ، لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين ، فإنها قد تخدع الضعفاء الذين يدخلون في الاسلام لفضيله على الوثنية في الجملة قبل أن تطمئن قلوبهم بالايمان كالذين كانوا يعرفون بالمؤلفة قلوبهم . وبهذا يتفق الحديث الآمر بذلك مع الآيات النافية للاكراه في الدين والمنكرة له فيما رأى . وقد أفتيت بذلك كما ظهر لي واللّه أعلم * * *
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
هذا من قول الكائدين من أهل الكتاب . وآمن له : صدقه وسلم له ما يقول قال تعالى
( 29 : 26 فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ )
وقال حكاية عن اخوة يوسف
( 12 : 17 وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا )
وقال الأستاذ الامام : إن الايمان يتعدى باللام إذا أريد بالتصديق الثقة والركون كقوله
( وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ )
أي فيكون تصديقا خاصا تضمن معنى زائدا . وذلك أن اليهود حصروا الثقة بأنفسهم لزعمهم أن النبوة لا تكون إلا فيهم بل غلوا في التعصب والغرور حتى حقروا جميع الناس فجعلوا كل ما يكون من أنفسهم حسنا وما يكون من غيرهم قبيحا . وهذا من الانتكاس الذي يحول بين أهله وبين كل خير . وإننا نرى من الناس من يحاول تغرير قومه بحملهم على أن يكونوا كذلك يحقرون كل ما لم يأت منهم وإن كان حسنا . فنعوذ باللّه من الخذلان