تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
عن دينهم . وقال الأستاذ الامام في قوله * * *
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
الخ هذه الآية جاءت ببعض التفصيل لما أجمل في الآيات السابقة من غرور أهل الكتاب وزعمهم انهم شعب اللّه الخاص ، وأن الدين والحق من خصائصهم . وابتداؤها بالعطف يشعر بمعطوف محذوف حذف إيجازا ، لأن السياق لا يقتضى ذكره وهو مبين في آيات أخرى كقوله تعالى
( 3 : 113 مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ )
الخ فكأنه ههنا يعطف على ما هنالك اى منهم كذا ومنهم كذا . وإنما قال : كأنه لأن آية
« مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ »
الخ في هذه السورة وهي متأخرة عن هذه الآيات . ولعل جعله معطوفا على ما قبله باعتبار المفهوم أقرب ، فكأنه قال منهم طائفة تكيد للمسلمين ومنهم من يستحل أكل أموالهم وأموال غيرهم ، وقد أشرنا إلى ذلك آنفا وإنما أعاد ذكر
« أَهْلِ الْكِتابِ »
ولم يبتدى الآية بقوله
« وَمِنْهُمْ »
- والكلام فيهم - للاشعار بأنهم فعلوا ذلك باسم الكتاب الذي حرفوا نهيه عن اكل أموال الناس بالباطل فزعموا أنه لم ينههم إلا عن خيانة إخوتهم الإسرائيليين . وقد تقدم تفسير القنطار ( آية 14 ) وقوله
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
معناه إلا مدة دومك أيها المؤتمن له قائما على رأسه تلح بالمطالبة ، أو تلجأ إلى التقاضى والمحاكمة ،
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
أي ذلك الترك للأداء بسبب قولهم ليس علينا في أكل أموال الأميين اى العرب تبعة ولا ذنب . فكأنه يقول إن استحلال هذه الخيانة جاءهم من الغرور بشعبهم والغلو في دينهم فان ذلك يستتبع احتقار المخالف احتقارا يهضم به حقه الثابت في المعاملة - قال الأستاذ الامام : كأنهم يقولون إن كل من ليس من شعب اللّه الخاص وليس من أهل دينه فهو ساقط من نظر اللّه ومبغوض عنده ، فلا حقوق له ولا حرمة لما له ، فيحل أكله متى أمكن . وقد رد اللّه عليهم هذه المزاعم بقوله
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
إن ذلك كذب عليه لأن ما كان منه فهو ما جاء في كتابه وليس في التوراة التي عندهم إباحة خيانة الأميين وأكل أموالهم بالباطل وهم يعلمون أن ذلك ليس فيها ولكنهم لا يأخذون الدين من الكتاب ، وإنما لجأوا إلى التقليد فعدوا كلام أحبارهم دينا ينسبونه إلى اللّه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 339 | الشيخ محمد رشيد رضا