من الكتاب وليس هذا محله وهو لا يفيد هنا في الاحتجاج لأنه إنذار لغير مؤمن بالنذير . ولكل مقام مقال . أقول : وقد أورد الرازي نحو ما قاله الأستاذ الامام ووجها ثالثا هو أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم صاروا خائنين خاسرين حيث اعتقدوا شيئا ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه .
ولكن ينافي هذا قوله
« وَما يَشْعُرُونَ »
وهم قد شعروا بخيبتهم في الاضلال ولكنهم لأنهما كهم فيه لم يشعروا بأنه كان صارفا لهم عن معرفة الحق والهدى لأن المنهمك في الشئ لا يكاد يفطن لعواقبه وآثاره
ثم إنه تعالى ناداهم مبينا لهم حقيقة ما هم فيه من الضلال لعلهم يلتفتون إلى أنفسهم التي شغلوا عنها بمحاولة إضلال غيرهم فقال
* * *
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
ذهب الرازي إلى أن هذه الآية موجهة إلى الطائفة العارفة بما في التوراة من دلائل نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما قبلها موجهة إلى غير العارفين بذلك فآيات اللّه على هذا هي البشارات التي في التوراة ومثلها بشارات الإنجيل واللفظ عام يشمل ما في الكتابين . والكفر بها عبارة عن عدم العمل بها .
والمختار عندي أن الخطاب هنا موجه إلى جميع أهل الكتاب والآيات عامة في كل ما يدل على نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحقيقة ما جاء به من القرآن وغيره . وقد كانوا يشهدون هذه الآيات معنى وحسا . وفي الاستفهام من التوبيخ لهم والنعي عليهم ما يليق بمن يكابر الوجود ويجحد المشهود
* * *
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ
أي تخلطون الحق الذي جاء به الأنبياء ونزلت به الكتب وهو عبادة اللّه وحده وعمل البر والخير والبشارة ينبى من بنى إسماعيل يعلم الناس الكتاب والحكمة - لم تخلطون هذا بالباطل الذي الحقه به أحباركم ورهبانكم من التأويلات والآراء وتجعلون كل ذلك دينا يجب اتباعه ويحسب أنه من عند اللّه كما قال تعالى في آية أخرى تأتى
( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
فلبس الحق بالباطل عام يشمل كل ما ذكر وقيل هو خاص بالعقائد والأحكام وقوله
وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
خاص بالبشارة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والصواب أن هذا عام أيضا . فإنهم كانوا يكتمون بعض