تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
الاطلاق من إرادة المعنى الاصلاحى عندهم فصار معنى الآية أن إبراهيم المتفق على إجلاله وادعاء دينه عند أهل الملل الثلاث لم يكن على ملة أحد منهم بل كان مائلا عن مثل ما هم عليه من الوثنية والتقاليد ، مسلما خالصا للّه تعالى وليس المراد بكونه مسلما أنه كان على مثل ما جاء به محمد صلّى اللّه عليهما وعلى آلهما وسلم من الشريعة بالتفصيل فإنه يرد على هذا أن هذه الشريعة جاءت من بعده كما كانت التوراة والإنجيل من بعده ، وانما المراد انه كان متحققا بمعنى الاسلام الذي يدل عليه لفظه وهو التوحيد والاخلاص للّه في عمل الخير كما بينا ذلك بالتفصيل في تفسير ( 19
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ )
وهذا المعنى لا يستطيع أهل الكتاب إنكاره . فان ما في كتبهم عن إبراهيم لا يعدوه وما كان النبي يدعوهم إلا إليه . وقد نسي أكثر المسلمين اليوم معنى الاسلام الذي يقرره القرآن وجمدوا على المعنى الاصطلاحي له فجعلوه جنسية غافلين عن كونه هداية روحية . وما كان سلفهم الصالح كذلك . * * *
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ
أي أجدرهم بولايته وأحراهم بموافقته
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
في عصره وأجابوا دعوته فاهتدوا بهديه
وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
معه فإنهم أهل التوحيد المحض الذي لا يشوبه اتخاذ الأولياء ولا التوسل بالوسطاء والشفعاء ، وأهل الاخلاص في الأعمال الذي لا يبطله شرك ولا ريا وهذا هو روح الاسلام والمقصود من الايمان . فمن فاته فقد فاته الدين كله لا تغنى عنه التقاليد والرسوم ولا تنفعه الوسطاء والأولياء
( 26 : 88 يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 89 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )
بأخذه بحقيقة الاسلام الذي شرع لتنقية القلوب وتزكية النفوس واعداد الأرواح في الدنيا إلى الدرجات العلى في الأخرى
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
الذين لا يتوجهون إلى غيره في كشف ضر ولا طلب نفع فهو يتولى أمورهم ويصلح شؤونهم ويتولى اثابتهم على حسب تأثير الاسلام في قلوبهم ويزيدهم من فضله . فنسأله تعالى أن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة ولا يجعلنا من الأهل الجمود على التقاليد الظاهرة الغافلين عن روح الاسلام المفتونين باتخاذ الأولياء والأمراء . هذا وليس عندنا في هذه الآيات شئ عن الأستاذ الامام وما قلناه موافق لطريقته .