تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ
الآية . كذا في لباب النقول . وأقول جاءت هذه الآية والآيتان بعدها في سياق دعوة أهل الكتاب إلى الاسلام وبيان أنه دين جميع أنبيائهم الذين يدينون باجلالهم وكان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وعلى آله موضع اجلال الفريقين منهم لما في كتبهم من الثناء عليه في العهد العتيق والعهد الجديد ، كما كانت قريش تجله وتدعى أنها على دينه ، فأراد تعالى أن يبين لهم جميعا أن هذا النبي الكريم الذي كانوا يجلونه لم يكن على شئ من تقاليدهم وانما كان على الاسلام الذي يدعوهم هو اليه على لسان نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى آله وسلم فبدأ بالاحتجاج على أهل الكتاب بقوله
وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ
أي فإذا كان الدين الحق لا يعدو التوراة كما تقولون أيها اليهود ، أولا يتجاوز الإنجيل كما تقولون أيها النصارى ، فكيف كان إبراهيم على الحق واستوجب ثناءكم وثناء من قبلكم
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
ان المتقدم على الشئ لا يمكن أن يكون تابعا له . فان خطر في بالك أيها القارئ أن هذا يرد على القرآن فاصبر نفسك معي إلى تفسير الآية الثالثة . * * *
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
ما . وهو خبر عيسى فقامت عليكم الحجة بأن منكم من غلا في الافراط إذ قال إنه إله ومنكم من غلا في التفريط إذ قال إنه دعى كذاب ولم يكن علمكم القليل به عاصما لكم من الخطأ في الحكم عليه
فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
وهو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا ! أليس الواجب عليكم أن تتبعوا فيه ما يوحيه اللّه إلى عبده محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ثم بين تعالى ما يعلم من أمره فقال * * *
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً
أي مائلا عن كل ما كان عليه أهل عصره من الشرك والضلال
مُسْلِماً
وجهه إلى اللّه تعالى وحده مخلصا له الدين والطاعة
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الذين يسمون أنفسهم الحنفاء ويدعون أنهم على ملة إبراهيم ، وهم قريش ومن وافقهم من العرب . وهذا من الاحتراس فقد كان أهل الكتاب يدعون العرب بالحنفاء حتى صار الحنيف عندهم بمعنى الوثني المشرك . فلما وافقهم القرآن على إطلاق لفظ الحنيف على إبراهيم مستعملا له بالمعنى اللغوي احترس عما يوهمه