تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وهم لا يزالون ينقلون عنه في إنجيل يوحنا قوله : ( ير 17 : 3 ) وهذه هي الحياة الأبدية ان يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته » وغير ذلك من عبارات التوحيد وكان يحتج على اليهود بعدم إقامتهم ناموس موسى ( شريعته ) وهو لم ينسخ من هذا الناموس إلا بعض الرسوم الظاهرة والتشديدات في المعاملة أما الوصايا العشر - ورأسها التوحيد والنهى عن الشرك - فلم ينسخ منها شيئا قال الأستاذ الامام : المعنى أننا نحن وإياكم على اعتقاد أن العالم من صنع اله واحد والتصرف فيه لآله واحد ، وهو خاله ومدبره وهو الذي يعرفنا على ألسنة أنبيائه ما يرضيه من العمل وما لا يرضيه . فتعالوا بنا نتفق على إقامة هذه الأصول المتفق عليها ورفض الشبهات التي تعرض لها حتى إذا سلمنا أن فيما جاءكم من نبأ المسيح شيئا فيه لفظ ابن اللّه خرجناه جميعا على وجه لا ينفض الأصل الثابت العام الذي اتفق عليه الأنبياء . فان سلمنا أن المسيح قال إنه ابن اللّه قلنا هل فسر هذا القول بأنه إله يعبد ؟ وهل دعا إلى عبادته وعبادة أمه ، أم كان يدعو إلى عبادة اللّه وحده ؟ لا شك أنكم متفقون معنا على أنه كان يدعو إلى عبادة اللّه وحده والاخلاص له بالتصريح الذي لا يقبل التأويل . وأقول : ان كلامه عن نفسه كان أكثره من باب الكناية أو المجاز ، بل كان بعضه من قبيل المعميات والألغاز ، حتى إن تلاميذه لم يكونوا يفهموه إلا بعد تفسيره . ولقد كان هذا التفسير يتأخر أحيانا إلى أمد بعيد ولفظ ابن اللّه أطلق في كتب العهد العتيق على إسرائيل وغيره فهو مجاز قطعا . أما هذه النزغات الوثنية التي دخلت على الدين فقد دخلت بعده وليس لواضعيها سند من كلامه وانما يروجونها بأقيسة باطلة جرى عليها كثير من الوثنيين من قبل ومن بعد كقول مشركي العرب
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
وقولهم
« هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ »
قلنا إن الآية قررت وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية فأما وحدانية الألوهية فهي قوله
« أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ »
وأكده بقوله
« وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً »
والاله هو المعبود الذي توله العقول في معرفته وتدعوه وتصمد اليه لاعتقادها أن السلطة الغيبية له وحده وأما وحدانية الربوبية فهي قوله
« وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ »
فالرب هو السيد المربى الذي يطاع فيما يأمر وينهى والمراد هنا من له حق التشريع