ذكر من أحبهم واصطفاهم وجعل منهم الرسل الذين يبنون طريق محبته ، وهي الايمان به مع طاعته ، فقال
* * *
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
اى اختارهم وجعلهم صفوة العالمين وخيارهم بجعل النبوة والرسالة فيهم ، فآدم أول البشر ارتقاء إلى هذه المرتبة فإنه بعد ما تنقل في الأطوار إلى مرتبة التوبة والإنابة اصطفاه تعالى واجتباه كما قال في سورة طه
« 20 : 122 ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى »
فكان هاديا مهديا وكان في ذريته من النبيين والمرسلين من شاء اللّه تعالى وأما نوح عليه السّلام فقد حدث على عهده ذلك الطوفان العظيم فانقرض من السلائل البشرية من انقرض ونجا هو وأهله في الفلك فكان بذلك أبا ثانيا للجم الغفير من البشر ، وكان هو نبيا مرسلا وجاء من ذريته كثير من النبيين والمرسلين ثم تفرقت ذريته وانتشرت وفشت فيهم الوثنية حتى ظهر فيهم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام نبيا مرسلا وخليلا مصطفى وتتتابع النبيون والمرسلون من آله وذريته وكان أرفعهم قدرا وأنبههم ذكرا آل عمران قبل أن تختم النبوة بولد إسماعيل عليهم الصلاة والسّلام .
* * *
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
قيل إن الذرية من مادة ذرأ المهموزة أي خلق كما أن البرية من مادة برأ وقيل من مادة ذرو ، فأصلها دروية وقيل هي من الذر وأصلها فعلية كقمرية . قال الراغب : والذرية أصلها الصغار من الأولاد وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معا في التعارف ويستعمل للواحد والجمع . وأصله الجمع . وقال الأستاذ الامام : يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافا لعرف الفقهاء وهو قليل والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله
« بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ »
ظاهر على الأول . ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران . ويصح ان يكون بمعنى انهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى
( 9 : 67 الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ )
وهو استعمال معروف . أقول : وهؤلاء الذين يشبه بعضهم بعضا من هذه الذرية هم الأنبياء والرسل قال تعالى في سياق الكلام على إبراهيم
( 6 : 84 وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ