تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
* * *
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ
باتباع كتابه
وَالرَّسُولَ
باتباع سننه والاهتداء بهديه
فَإِنْ تَوَلَّوْا
وأعرضوا ولم يجيبوا دعوتك غرورا منهم بدعواهم أنهم محبون للّه وأنهم أبناؤه وأحباؤه
فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
الذين تصرفهم أهواؤهم عن النظر الصحيح في آيات اللّه وما أنزله على رسوله وترك الشرك والضلال الذي نهيت عنه واتباع الحق في الاعتقاد الذي بينته والعمل الصالح الذي أرشدت إليه . هؤلاء هم الكافرون وإن ادعو أنهم مؤمنون وأنهم يحبون اللّه واللّه يحبهم . هذا ما نراه كافيا في فهم الآيات وليس عندنا فيها عن الأستاذ الامام شئ . وإن من الباحثين من يخفى عليه معنى حب اللّه للناس وحبهم إياه ، فنوضح ذلك بعض الايضاح . حب الناس للّه يجهله من يعيش كما تعيش الديدان والبهائم لا يشغله الأهم قبقبه وذبذبه ويعرفه الحكماء الربانيون والمؤمنون الصالحون ويمكن تقريبه من فهم الجاهل المستعد للعلم وتشويقه إليه بارشاده إلى مراجعة فطرته والبحث في أسباب حب الناس لكثير من الأشياء التي لا يحبها حيوان آخر . يجد كل حي من الأحياء ميلا من نفسه إلى ما به كمال فطرته على حسب استعدادها فالأنعام التي ينحصر استعدادها فيما به حفظ وجودها الشخصي والنوعي لا تميل إلا إلى الغذاء لحفظ الأول والنزوان لحفظ الثاني . وأما الانسان فله استعداد لا يعرف له حد ولا نهاية ، وميله أو حبه ليس له حد ولا نهاية أيضا . وإنما تقف الأمراض الروحية ببعض أفراده أو جمعياته عند حدود معينة لفساد في التربية ومرض في مزاج الاجتماع . وهذا الاستعداد وما يتبعه أنصع الدلائل عند العالمين بنظام الأكوان على أن الانسان خلق للبقاء لا للفناء وإن له حياة أخرى ينال بها كل ما خلق مستعدا له من العرفان وأعلاه الكمال في معرفة اللّه . يحب الانسان جمال الطبيعة ، ويطربه خرير المياه وحفيف الرياح ، وتغريد الأطيار على افنان الأشجار فيبذل المال الكثير لانشاء الحدائق والجنات واجتلاب ما لم يوجد في بلاده من أنواع الطير والنبات ، يعشق جمال الصنعة فينفق القناطير المقنطرة من الذهب والفضة في اقتناء الصور البديعة ، والنقوش الدقيقة - يهوى
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 285 | الشيخ محمد رشيد رضا