تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ( وضعت ) على أنه من كلامها ، وعليه يكون المعنى وليس الذكر كالأنثى فيما يصلح له كل منهما :
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
العوذ الالتجاء إلى الغير والتعلق به . فمعنى أعوذ باللّه من الشيطان . ألجأ إليه وأعتصم به منه وأعاذه به منه جعله معاذا له يمنعه ويعصمه منه والإعاذة باللّه تكون بالدعاء والرجاء . والرجيم المطرود عن الخير . وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم « كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها » وفسر البيضاوي المس هنا بالطمع في الاغواء ، وقال الأستاذ الامام : إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة . ولعل البيضاوي يرمى إلى ذلك . والحديث صحيح الاسناد بغير خلاف ويشهد له من وجه حديث شق الصدر وغسل القلب بعد استخراج حظ الشيطان منه . وهو أظهر في التمثيل ولعل معناه أنه لم يبق للشيطان نصيب من قلبه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا بالوسوسة كما يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسّلام في شيطانه « ألا إن اللّه أعانني عليه فأسلم » رواه مسلم وفي رواية زيادة « فلا يأمر إلا بخير » فان قيل : إن حديث استخراج حظ الشيطان منه ونحوه يدل على أنه كان له حظ منه قبل ذلك . وهذا ينافي قوله تعالى
( 15 : 42 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ )
وهو صلّى اللّه عليه وسلّم صفوة عباده وخاتم رسله المصطفين الأخبار فان الآية تنفى سلطة الشيطان عن عباد الرحمن في كل آن . فالجواب : أن الآية تنفى السلطان عليهم لا أصل الوسوسة فإذا وسوس الشيطان ولم تطع وسوسته لم يكن له سلطان ، ومعنى الحديث أنه لم يعد له طريق إلى الوسوسة ولا إلى الأمر بالشر قط . وهذه مرتبة عليا لا يرتقى إليها كل عباد اللّه وقد ذكر أهل الحديث من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم إسلام شيطانه : وجملة القول أن الشيطان لم يكن له عليه سلطان ما ولكن كان له حظ وطمع فزال وغلبه نور النبوة حتى يئس وزال حظه فلم يعد يأمر الا بخبر أو أسلم كما ورد . فان قيل : ان ما فسر به البيضاوي حديث مريم وعيسى يقتضى أن يكونا أفضل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو ممتازين عليه إذا كان يطمع فيه ولم يطمع