الوقوف على مجاهل الأرض والاطلاع على أحوال العالمين فيركب الاخطار ويقتحم البحار ، ويسمح بالوقت والدينار - يهيم بالرياسة ، فيستهين لأجلها باللذات ، ويزدرى الشهوات ، وينافح في سبيلها الاقران ، ويكافح في طلبها السلطان - يفتتن بحب أهل النجدة والشجاعة وقواد الجيوش ، فيبذل حياته لحفظ حياتهم ، ويتحمس في التحزب لهم بعد مماتهم - يولع بكبار العلماء ، فيتخذهم أئمة متبعين ، وان حرم في اتباعهم من حقيقة العلم والدين ، ويتعصب لهم على من خالفهم ، وإن كان الحق يؤيده من دونهم - يهيم بالمعقولات السامية ، والحكمة العالية ، فيحتقر دونها المال والحياة والرياسة والامارة ، وينزوى في كسر بيته يعمل الفكر ، ويروض النفس ، ويصقل الروح ، معتقدا أن من سار سيرته فهو المغبوط وأن الغافل عن ذلك هو المغبون ،
« كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » *
ألا إن استعداد الانسان أعلى من كل ذلك ، فهو لا يقف عند حد اكتشاف المجهولات ، ومعرفة ما في الأرض والسماوات ، ومجالدة جليد القطب الشمالي . ومواثبة أسود أفريقية وأفاعي الهند ، ومناصبة أمواج القاموس الأعظم ، ومراقبة نجوم السماء في الليالي الليلاء ، بل هو يبحث عن الماضي ليتعرف مبدأ الخلق والتكوين ، ويبحث عن المستقبل ليعلم الغاية والمصير ، بل هو يبحث عن حقيقة الخالق البارىء قبل أن يعرف شيئا من حقائق المخلوقات : وقبل أن يعرف نفسه واستعدادها ، وغرضها من بحثها واستقصائها ترى هذا الانسان الذي يحب هذه الأشياء التي لا تتناهى ، لأنه خلق مستعدا لمعرفة لا تتناهى ، قد يهيم حبا في بعضها حتى يشغله عن سائرها ، وكلما كان موضوع حبه أعلى ، كان هو في نفسه أرقى وأسمى ، ومنتهى الرقى والسمو أن يحب في كل شئ ، معنى الجمال المودع في كل شئ ، وهو الابداع الإلهي ، والنظام الرباني ، فلا تحجبه المباني عن المعاني ، ولا تشغله الأشباح عن الأرواح ، فيلاحظ في كل جميل أحبه منشأ جماله ، وفي كل كامل أجله مصدر كماله ، وفي كل بديع مال اليه علة ابداعه ، وفي كل مخترع أعجب به الحكمة العامة في الاقدار على اختراعه :
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها * وأعضائها فالحسن عنك مغيب
فهذا هو حب اللّه عز وجل - حبه في كل محبوب لمشاهدة جماله في كل جميل