تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
الخير يكون غبطة لصاحبه وسرورا . وقال الأستاذ ان هذا التعبير ضرب من التمثيل كالآيات التي فيها ذكر كتب الأعمال وأخذها بالايمان والشمائل فان الغرض من التعبير بأخذها باليمين أخذها بالقبول الحسن ومن أخذها بالشمال أو من وراء الظهر أخذها مع الكراهة والامتعاض . أقول وكيف لا تجد كل نفس ما عملت محضرا فتسر المحسنة وتنعم بما أحسنت ، وتبتئس المسيئة وتغم بما أساءت ، وتود لو كان بينها وبينه بعد المشرقين وهذه الأعمال مرسومة في صحائف هذه الأنفس وهي صفات لها وعن هذه الصفات صدرت تلك الحركات فزادت الصفات رسوخا والنقوش في النفس تمكنا حتى ارتقت بالمحسن إلى عليين ، حيث كتاب الأبرار ، وهبطت بالمسىء إلى سجين ، حيث كتاب الفجار ،
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
فإنه من ورائكم محيط وسنته في تأثير الأعمال في النفوس وجعل آثار أعمالها مصدرا لجزائها حاكمة عليكم ، أفلا يجب عليكم - والأمر كذلك - أن تحذروه بما أوتيتم من القدرة على الخير والميل اليه بترجيحه على ما يعرض على الفترة من تزيين عمل السوء والتوبة اليه سبحانه مما غلبتم عليه في الماضي
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
ومن رأفته أن جعل الفطرة سليمة ميالة بطبعها إلى الخير وتتألم مما يعرض لها من الشر - وأن جعل للانسان أنواعا من الهدايات يرجح بها الخير على الشر كالعقل والدين - وأن جعل جزاء الخير مضاعفا - وان جعل أثر الشر في النفس قابلا للمحو بالتوبة والعمل الصالح - وان أكثر التحذير من عاقبة السوء ليذكر الانسان ولا ينسى . لعله يتذكر أو يخشى ، ومن مباحث اللفظ في الآية دخول الحرف المصدري على مثله في قوله
« لَوْ أَنَّ » *
قال الأستاذ الامام وهو معروف في الكلام العربي الفصيح فلا حاجة إلى جعل الأصل فيه المنع وتأويل ما سمع منه . وقد اختلف في تفسير الأمد فقيل الغاية وقيل الأجل وقيل المكان . وقال الراغب : الأمد والأبد يتقاربان لكن الأبد عبارة عن مدة من الزمان ليس لها حد محدود ولا يتقيد لا يقال أبد كذا والأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق وقد ينحصر نحو أن يقال أمد كذا كما يقال زمان كذا والفرق بين الزمان والأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 283 | الشيخ محمد رشيد رضا