تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
الكافرين لأنه ورد في مقام الأمر بالجهاد لدفع إيذائهم وحماية الدعوة وبيان حقيقتها وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم أحسن الناس أدبا في مجلسه وحديثه .
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
روى عن ابن عباس أن معناه عقاب نفسه . وذكر النفس ليعلم أن الوعيد صادر منه ، وهو القادر على إنفاذه إذ لا يعجزه شئ وسيأتي في تفسير الجملة كلام آخر في الآية التي تلى ما بعد هذه
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
فلا مهرب منه . قالوا وفيه تهديد عظيم يشعر بتناهى المنهى عنه من الموالاة في القبح ثم قال * * *
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
المراد بما في الصدور ما في القلوب من الانشراح والميل للكفر أو الكره له والنفور منه ، فهو كقوله تعالى في الآية التي ذكرت آنفا
( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً )
الخ أي أنه سبحانه يعلم ما تنطوى عليه نفوسكم وما تختلج به قلوبكم إذ توالون الكافرين أو توادونهم وإذ تتقون منهم ما تتقون فإن كان ذلك بميل إلى الكفر جازاكم عليه وان كانت قلوبكم مطمئنة بالايمان غفر لكم ولم يؤاخذكم على عمل لا جناية فيه على دينكم ولا إيذاء لأهله فهو يجازيكم على حسب علمه المحيط بما في السماوات والأرض لأنه الخالق لما في السماوات والأرض
« أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ »
وهذا كالدليل على علمه بما في صدورهم لأنه عام ودليله ظاهر في النظام العام
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فلا يمكن أن يتفلت من قدرته أحد ولا أن يعجزه شئ وهذا كالشرح لقوله
« وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ »
* * *
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
قال الأستاذ الامام ما معناه : الكلام تتمة لوعيد من يوالى الكافرين ناصرا إياهم على المؤمنين . والمعنى اتقوا واحذروا أو لتحذروا يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قل محضرا . ولا يجوز تقدير « اذكر » متعلقا لقوله
« يَوْمَ تَجِدُ »
كما فعل الجلال . ومعنى كونه محضرا أن فائدته ومنفعته تكون حاضرة لديه . أما عمل السوء فتود كل نفس اقترفته لو بعد عنها ولم تره وتؤخذ بجزائه . وهذا يدل على أن عمل الشر يكون محضرا أيضا ولكنه عبر عنه بما ذكر ليدل على أن احضاره مؤذ لصاحبه يود لو لم يكن ، أي ومنه يعلم أن إحضار عمل
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 282 | الشيخ محمد رشيد رضا