تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
مستحسبا للحياة الدنيا على الآخرة لا يكون كافرا بل يعذر كما عذر عمار بن ياسر وفيه نزلت هذه الآية ( 106 : 16 ) وكما عذر الصحابي الذي قال له مسيلمة الكذاب أتشهد أنى رسول اللّه ؟ قال نعم ، فتركه وقتل رفيقه الذي سأله هذا السؤال فقال : إني أصم ثلاثا . وينقل عن الشيعة أن التقية عندهم أصل من أصول الدين جرى عليه الأنبياء والأئمة . وينقل عنهم في ذلك أمور متناقضة مضطربة وخرافات مستغربة وقلما يسلم نقل المخالف من الظنة ، لا سيما إذا كان نقله بالمعنى . وليس في تفسيرنا هذا موضع للمناقشات والجدل في مسائل الخلاف . وقصارى ما تدل عليه هذه الآية أن للمسلم أن يتقى ما يتقى من مضرة الكافرين وقصارى ما تدل عليه آية سورة النحل ( 16 : 106 ) ما تقدم آنفا وكل ذلك من باب الرخص لأجل الضرورات العارضة لا من أصول الدين المتبعة دائما ولذلك كان من مسائل الاجماع وجوب الهجرة على المسلم من المكان الذي يخاف فيه من اظهار دينه ويضطر فيه إلى التقية . ومن علامة المؤمن الكامل أن لا يخاف في اللّه لومة لاثم قال تعالى
( 5 : 44 فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ )
وقال
( 3 : 175 فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
وكان النبي وأصحابه يتحملون الأذى في ذات اللّه ويصبرون وأما المداراة فيما لا يهدم حقا ولا يبنى باطلا فهي كياسة مستحبة يقتضيها أدب المجالسة ما لم تنته إلى حد النفاق ، ويستجر فيها الدهان والاختلاق ، وتكون مؤكدة في خطاب السفهاء تصونا من سفههم ، واتقاء لفحشهم ، وفي الصحيح عن عائشة رضى اللّه عنها قالت « استأذن رجل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا عنده فقال : بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة . ثم أذن له فألان له القول ، فلما خرج قلت يا رسول اللّه قلت ما قلت ، ثم ألنت له القول فقال : يا عائشة ان من أشر الناس من يتركه الناس - أو يدعه الناس - اتقاء فحشه » رواه البخاري في صحيحه وفيه من حديث أبي الدرداء « انا لنكشر في وجوه قوم وان قلوبنا لتلعنهم » وفي رواية الكشميهني « وان قلوبنا لتقليهم » أي تبغضهم . ولا يجهل أحد أن إلانة القول أو الكشر في الوجوه أي التبسم هما من أدب المجلس ينبغي بذلهما لكل جليس ولا يعدان من النفاق ولا من الدهان ولا ينافيان أمر اللّه لنبيه بالاغلاظ على