ما لم تفصل في غيرها بحد الآية الأولى - وقد تقدم صدرها في قصة حاطب - تقيد النهى عن موالاة أعداء اللّه ورسوله وإلقاء المودة إليهم بكونهم كفروا كفرا حملهم على إخراج الرسول والمؤمنين من وطنهم لأنهم مؤمنون باللّه . فكل شعب حربي يعامل المؤمنين مثل هذه المعاملة تحرم موالاته قطعا . ثم وصف هؤلاء الذين نهى عن موالاتهم بأنهم إن يثقفوا المؤمنين يعادوهم ويؤذوهم بأيديهم وألسنتهم ثم قال
( 7 عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ، وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 8 ) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
فالبصير يرى أن القرآن يجعل المودة بين المؤمنين وأولئك المشركين الذين آذوا الرسول ومن آمن به أشد الايذاء وأخرجوهم من ديارهم وبين هؤلاء المؤمنين - مرجوة . وقال إنه لا ينهاهم عن البر والقسط إلى من ليسوا كذلك من المشركين وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين أيضا وابعد عنهم من أهل الكتاب ثم أكد ذلك بحصر النهى في الذين قاتلوهم في الدين ، أي لأنهم مسلمون وأخرجوهم من ديارهم وساعدوا على إخراجهم منها ولكنه خص هذا النهى بتوليهم ونصرهم لا بمجاملتهم وحسن معاملتهم .
بالبر والاحسان والعدل . وهذا منتهى الحلم والسماح بل الفضل والكمال .
ولا تنس أن هذه الآيات نزلت قبل فتح مكة ، وكان المشركون في عنفوان طغيانهم واعتدائهم وقد عمل عليه الصلاة والسّلام يوم الفتح بهذه الوصايا فعفا عن قدرة ، وحلم عن عزة وسلطة ، وقال « أنتم الطلقاء » وأحسن إلى المؤمن والكافر والبر والفاجر . ومثله أهل للفضل والاحسان . ولقد كان للمؤمنين فيه أسوة حسنة ولكن بعد متحمسو المسلمين اليوم عن سنته وعن كتاب اللّه الذي تأدب هو به .
اللهم اهد هؤلاء المسلمين بهداية كتابك ليكونوا بحسن عملهم حجة له ، بعد ما صار أكثرهم بسوء العمل حجة عليه .
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
فيتخذ الكافرين أولياء وأنصارا من دون المؤمنين فيما يخالف مصلحتهم من حيث هم مؤمنون فليس من الله شئ أي فليس