ما وعدت به على العمل بالكتاب هو الخير والخصب والسلطة في الأرض وما أوعدت به هو سلب هذه النعم وتسليط الأمم عليهم ، ولكن الاسلام بين لنا أن كل نبي أمر بالايمان باليوم الآخر ووعد وأوعد فهذا هو الحق سواء أوجد في كتبهم أم لم يوجد يعنى أننا نعد هذا مما أضاعوه ونسوه على ما بينا في تفسير التوراة والإنجيل قال والجملة عبارة عن استسهال العقوبة والاستخفاف بها اتكالا على اتصال نسبهم بالأنبياء واعتمادا على مجرد الانتساب إلى الدين وكانوا يعتقدون أن ذلك كاف في نجاتهم ؛ ومن استخف بوعيد الدين زاعما أنه خفيف في نفسه أو أنه غير واقع بمن يستحقه حتما تزول حرمة الأوامر والنواهي من نفسه فيقدم على ارتكاب المحارم بلا مبالاة ويتهاون في الطاعات المحتمة وهكذا شأن الأمم عندما تفسق عن دينها وتنتهك حرماته ، ظهر في اليهود ثم في النصارى ثم في المسلمين
وأقول : لعل المراد بعبارة الآية أنهم كانوا يعتقدون أن الإسرائيلي إذا عوقب فان عقوبته لا تكون إلا قليلة كما هو اعتقاد أكثر المسلمين اليوم إذ يقولون المسلم المرتكب لكبائر الاثم والفواحش إما أن تدركه الشفاعات ، وإما تنجيه الكفارات وإما أن يمنح العفو والمغفرة بمحض الفضل والاحسان ، فان فاته كل ذلك عذب على قدر خطيئته ثم يخرج من النار ويدخل الجنة وأما المنتسبون إلى سائر الأديان فهم خالدون في النار كيفما كانت حالهم ومهما كانت أعمالهم . والقرآن لا يقيم للانتساب إلى دين ما وزنا وإنما ينوط أمر النجاة من النار ، والفوز بالنعيم الدائم في دار القرار ، بالايمان الذي وصفه وذكر علامات أهله وصفاتهم وبالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة مع التقوى وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن . وأما المغفرة فهي خاصة في حكم القرآن بمن لم تحط به خطيئته وأما من أحاطت به حتى استغرقت شعوره ورانت على قلبه فصار همه محصورا في إرضاء شهوته ولم يبق للدين سلطان على نفسه فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . لهذا يحكم هذا الكتاب الحكيم بأن من يجعل الدين جنسية وينوط النجاة من النار بالانتساب اليه أو الاتكال على من أقامه من السلف فهو مغتر بالوهم ، مفتر يقول على اللّه بغير علم ، كما قال هنا
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
أي بما زعموا من تحديد مدة العقوبة للأمة في مجموعها