وتذكيره بقدرته تعالى على نصره وإعلاء كلمة دينه . فهذه الآية من هذا القبيل .
كأنه يقول له : إذا تولى هؤلاء الجاحدون عن بيانك ، ولم ينظروا في برهانك . وظل المشركون منهم على جهلهم ، وأهل الكتاب في غرورهم ، فعليك أن تلجأ إلى اللّه تعالى وترجع اليه بالدعاء والثناء ، وتتذكر أنه بيده الأمر يفعل ما يشاء ، وهذا يناسب ما تقدم في الرد على نصارى نجران من أمره بالالتجاء اليه سبحانه بقوله
« فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ »
قال : وعلى هذا التفسير يصح أن يكون الملك بمعنى النبوة أو لازمها ولا شك أن النبوة ملك كبير لأن سلطانها على الأجساد والأرواح ، على الظاهر والباطن قال تعالى
( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً )
فإن لم يكن هذا الملك عين النبوة فهو لازمها ونزع الملك على هذا القول عبارة عن نزعه من الأمة التي كان يبعث فيها الأنبياء ، كأمة إسرائيل فقد نزعت منها النبوة ببعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويمكن أن يفسر النزع هنا بالحرمان فإنه تعالى يعطى النبوة من يشاء ويحرم منها من يشاء . فان قيل إن النزع إنما يكون لشئ قد وجد صح أن يجاب عنه بأن هذا على حد قوله تعالى حكاية عن لسان الرسل
( 7 : 89 قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها )
فإنهم لم يكونوا في ملتهم ، إذ يستحيل الكفر على الأنبياء . هذا سياقه وقد تبع فيه الامام الرازي إلا أنه زاد عليه كلمة « أو لازمها » والتمثيل غير ظاهر على المعنى الثاني والآية حكاية عن شعيب عليه السّلام وهي جواب عن قول قومه
( 7 : 88 لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا )
فهم قد طلبوا منه وممن امن معه أن يعودوا في ملتهم وكان أولئك المؤمنون في ملتهم . ففي جوابه عليه السّلام تغليب للأكثر وهو متعين . ومثل الرازي أيضا بقوله تعالى
( 2 : 257 اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ )
وفيه ما فيه
أقول والظاهر المتبادر : أن المراد بالملك السلطة والتصرف في الأمور واللّه سبحانه وتعالى صاحب السلطان الأعلى والتصرف المطلق في تدبير الأمر وإقامة ميزان النظام العام في الكائنات فهو يؤتى الملك في بعض البلاد من يشاء من