تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وَهُمْ مُعْرِضُونَ
أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن عكرمة عن ابن عباس قال « دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى اللّه فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ قال على ملة إبراهيم ودينه قالا فان إبراهيم كان يهوديا فقال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم . فأنزل اللّه
( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
- إلى قوله -
يَفْتَرُونَ )
« ذكر هذا التخريج السيوطي في لباب النقول وأخرجه أيضا ابن جرير في تفسيره . فكتاب اللّه الذي يدعون إليه هو التوراة على هذا الوجه . قال ابن جرير : وقيل بل ذلك كتاب اللّه الذي أنزله على محمد وإنما دعيت طائفة منهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليحكم بينهم بالحق فأبت . روى ذلك عن قتادة وابن جريج ورجح الأول ، ومعناه ألم تر يا محمد إلى هؤلاء الذين تعجب لعدم إيمانهم بك على وضوح ما جئت به كيف يعرضون عن العمل بالكتاب الذي يؤمنون به إذا لم يوافق أهواءهم . ووقائع الأحوال في عصر التنزيل تتفق مع كل من القولين . فقد كانوا يتولون عن حكم التوراة إذا خالف أهواءهم كما يفعل أهل كل دين في طور انحلال الدين وضعفه وكانوا ربما تحاكموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عازمين على قبول حكمه حتى إذا كان على غير ما أحبوا خالفوه كما فعلوا يوم زنا بعض أشرافهم وحكموه فحكم بينهم بمثل حكم كتابهم فتولوا وأعرضوا عن قبول حكمه لأنهم إنما فزعوا اليه ليخفف عنهم . أما قوله .
« أُوتُوا نَصِيباً »
فقد علم ما هو تفسيره المختار عندنا فيما تقدم أول السورة من تفسير التوراة والإنجيل وقال الأستاذ الامام في تفسير هذه الآية إنه مبين لقوله تعالى
( أُوتُوا الْكِتابَ )
وهو بمعنى
( لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ )
فالنصيب عبارة عن تمسكهم بالألفاظ بتعظيمها وتعظيم ما تكتب فيه مع عدم العناية بالمعاني بفقهها والعمل بها . قال : ولك أن تقول : إن ما يحفظونه من الكتاب هو جزء من الكتاب الذي أوحاه اللّه إليهم ( أو قال الكتب ) وقد فقدوا سائره وهم مع ذلك لا يقيمونه بحسن الفهم له والتزام العمل به . ولا غرابة في فقد بعض الكتاب فالكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه