وهذا من الافتراء الذي كان منشأ غرورهم في دينهم ومثله لا يعرف بالرأي ولا بالفكر لأنه من أمر عالم الغيب فلا يعرف إلا بوحي من اللّه وليس في الوحي ما يؤيده ولا يوثق به إلا بعهد منه عز وجل ولا عهد بهذا وإنما عهد اللّه هو ما سبق في سورة البقرة
( 2 : 80 وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 81 ) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 82 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ )
ثم توعدهم تعالى على هذا الافتراء بقوله
* * *
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
أي فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب في مجيئه وهو يوم الدين
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
بأن رأت ما عملته محضرا موفى لا نقص فيه فكان منشأ الجزاء ، ومناط السعادة أو الشقاء ، دون الانتماء إلى دين كذا ومذهب كذا أو الانتساب إلى فلان وفلان من النبيين والصالحين . ألا إنهم يرون يومئذ أن الجزاء يكون بشئ من داخل نفوسهم لا من شئ خارج عنها . يكون بما أحدثته أعمالهم فيها من الصفات الحسنة أو القبيحة ومقدرة بقدر ذلك . ويرون أن الناس سواء في هذا الجزاء لا امتياز فيه بين الشعوب وإن سمى بعضها بشعب اللّه . ولا بين الافراد وإن لقبوا أنفسهم بأبناء اللّه . بل يرون هنالك العدل الأكمل ولذلك قال
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
أي الناس المشار إليهم بلفظ
« كُلُّ نَفْسٍ »
أي لا ينقص من جزاء أحد بما كسب شئ وإن كان مثقال ذرة
وقد قال المفسرون في هذه الجملة كلمة أحب التنبيه على ما فيها . قالوا : فيها دليل على أن العبادة لا تحبظ وأن المؤمن لا يخلد في النار لأن توفية جزاء إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل دخولها . فاذن هي بعد الخلاص منها . والعبارة للبيضاوى ونقلها أبو السعود كعادته . وأقول : إن الكسب هنا ليس خاصا بالعبادة والايمان بل هو عام شامل لكل ما عمله العبد من خير وشر فإذا أرادوا أن الآية تدل على أنه لا بد من الجزاء على الكسب ، كما هو ظاهر الآية لزمهم أن الكافر إذا أحسن في بعض الأعمال - ولا يوجد أحد من البشر لا يحسن عملا قط - وجب