تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
السّلام التي يسمونها التوراة لا دليل على أنه هو الذي كتبها ولا هي محفوظة عنه بل قام الدليل عند الباحثين من الأوربيين على أنها كتبت بعده بمئات من السنين ( أراه قال خمس مئة سنة ) وكذلك يقال في سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء في المجموع الذي يسمونه ( الكتاب المقدس ) أقول ولا تعرف اللغة التي كتبت بها التوراة أول مرة ولا دليل على أن موسى عليه السّلام كان يعرف اللغة العبرانية وإنما كانت لغته مصرية فأين هي التوراة التي كتبها بتلك اللغة ومن ترجمها عنها ؟ أما قوله تعالى
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
فللتراخى فيه وجهان ( أحدهما ) استبعاد توليهم لأنه خلاف الأصل الذي يكون عليه المؤمن ( ثانيها ) أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب يتولى ذلك الفريق بعد تردد وترو في القبول وعدمه وكان من مقتضى الايمان أن لا يتردد المؤمن في إجابة الدعوة إلى حكم كتابه الذي هو أصل دينه أورده الأستاذ الامام وقال : على أنهم لم يكتفوا بالتردد حتى تولوا بالفعل ولم يكن التولي عرضا حدث لهم بعد أن كانوا مقبلين على الكتاب خاضعين لحكمه في كل حال وآن ، بل هو وصف لهم لازم بل اللازم لهم ما هو شر منه وهو الاعراض عن كتاب اللّه في عامة أحوالهم : فجملة
« وَهُمْ مُعْرِضُونَ »
ليست مؤكدة للتولى كما قيل بل هي مؤسسة لوصف الاعراض الذي هو أبلغ منه . وإنما قال
« فَرِيقٌ مِنْهُمْ »
لأن هذا الوصف ليس عاما لكل فرد منهم بل كان منهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون . ومنهم الذين آمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . أقول وهذا مما عهدنا في أسلوب القرآن من تحديد الحقائق والاحتراس في الحكم على الأمم فتارة يحكم على فريق منهم في مقام بيان شؤونهم وتارة يحكم على أكثرهم وإذا أطلق الحكم في بعض الآيات يتبعه بالاستثناء - استثناء الأقل كقوله
( تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ )
* * *
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
روى ابن جرير وغيره من المفسرين أن بعض اليهود قالوا ذلك وأن هذه الأيام المعدودات هي أربعون يوما مدة عبادتهم العجل وقال الأستاذ الامام : إنه لم يثبت في عدد هذه الأيام شئ وليس في كتب اليهود التي في أيديهم وعد بالآخرة ولا وعيد فكل
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 266 | الشيخ محمد رشيد رضا