تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
أمثالها ، أو لما هو دونها في استعدادها وكمالها ، ( وثانيهما ) إصلاح القلوب بحسن القصد في جميع الأعمال ، وإخلاص النية للّه وللناس ، فمتى حصل هذان الأمران انطلقت الفطرة من قيودها العائقة لها عن بلوغ كمالها في أفرادها وجمعياتها . وهذان الأمران هما روح المراد من كلمة الاسلام . وأما أعمال العبادات فإنما شرعت لتربية هذا الروح الأمرى في الروح الخلقي . ولذلك شرط فيها النية والاخلاص ومتى تربى سهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الأدبية والمدنية التي يصل بها إلى المدينة الفاضلة وتحقيق أمنية الحكماء . آه ما أشد غفلة الناس عن حقيقة الاسلام ! أي سعادة للناس تعلو عرفان كل فرد من أفرادهم أنه أوتى من الاستعداد ما أوتيه من يوصفون بالولاية والقداسة ، ويدلون بالزعامة والرياسة ، فمنهم من يستعبد بها الناس استعبادا روحانيا ، ومنهم يستعبدهم بها استعبادا سياسيا ، واخلاص كل فرد من أفرادهم في عمله الديني للّه وعمله الدنيوي للناس ؟ هذه السعادة هي روح الاسلام وحقيقته حجبتها عن بعضهم الرسوم العملية ، والتقاليد المذهبية ، وعن آخرين النزغات النظرية ، والتقاليد الوضعية ، فالأولون يرمون بالكفر أو البدعة كل من خالف مذاهبهم ، والآخرون ينبزون بالغباوة والتعصب كل من لم يستعذب مشربهم ، فمتى يكثر المسلمون الخالصون المخلصون للأولين والآخرين ، فيكونوا حجة اللّه عليهم وعلى جميع العالمين ؛ وآية الوحدة الفاضحة للمختلفين ، ؟ ؟
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
قيل إن المراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة وقيل النصارى خاصة . ويدعم هذا القول : أن الآيات نزلت في نصارى نجران كما تقدم . والصواب : أنها عامة لا تخص فريقا دون آخر . والجملة بيان لسبب خروج أهل الكتاب عن الاسلام الذي جاء به أنبياؤهم على ما تقدم في الجملة الأولى ، فصاروا مذاهب وشيعا يقتتلون في الدين والدين واحد لا تفرق فيه ولا مثار للاختلاف بله الاقتتال . وهذا السبب هو البغى وتجاوز الحدود من الرؤساء كما فصله الأستاذ الامام تفصيلا في تفسير