* * *
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
قرأ الجمهور
« إِنَّ »
بالكسر على أن الجملة مستأنفة وقرأها الكسائي بالفتح على أنها تعليل للشهادة بالتوحيد ، أي شهد اللّه أنه لا إله إلا هو ، لأن الدين عند اللّه هو الاسلام له وحده ، أو عطف على « انه » أو بدل منه
أقول : الدين في اللغة الجزاء ، والطاعة والخضوع أي سبب الجزاء . ويطلق على مجموع التكاليف التي يدين بها العباد للّه فيكون بمعنى الملة والشرع . وقالوا إن ما يكلف اللّه به العباد يسمى شرعا باعتبار وضعه وبيانه ويسمى دينا باعتبار الخضوع وطاعة الشارع به . ويسمى ملة باعتبار جملة التكاليف . والاسلام مصدر أسلم وهو يأتي بمعنى خضع واستسلم وبمعنى أدى ، يقال أسلمت الشئ إلى فلان إذا أديته اليه . وبمعنى دخل في السلم وهو بالفتح والكسر بمعنى الصلح والسلامة وبالتحريك الخالص من الشئ ومنه قوله تعالى
( 39 : 29 ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ )
أي خالصا له لا يشاركه فيه من يشاكسه .
وتسمية دين الحق إسلاما يناسب كل معنى من معاني الكلمة في اللغة وأظهرها آخرها في الذكر لا سيما في هذا المقام ، ويؤيده الآية الآتية وقوله تعالى
( 4 : 125 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً )
وقد وصف إبراهيم بالاسلام في عدة سور ووصف غيره من النبيين بذلك . بعلم بذلك ان الحصر في قوله
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ »
يتناول جميع الملل التي جاء بها الأنبياء لأنه هو روحها الكلى الذي اتفقت فيه على اختلاف بعض التكاليف وصور الأعمال فيها وبه كانوا يوصون . راجع تفسير ( 2 :
128 و 131 - 133 ) والأستاذ الامام لم يقل هنا إلا بعض ما قاله هناك وبذلك كله تعلم أن المسلم الحقيقي في حكم القرآن من كان خالصا من شوائب الشرك بالرحمن ، مخلصا في أعماله مع الايمان ، من أي ملة كان ، وفي أي زمان وجد ومكان ، وهذا هو المراد بقوله عز وجل
( 3 : 85 وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ )
الآية وستأتي . ذلك ان اللّه تعالى شرع الدين لامرين أصليين ( أحدهما ) تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بالسلطة الغيبية للمخلوقات ، وقدرتها على التصرف في الكائنات ، لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم من