( 2 : 212 كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً )
فليراجعه من لم يقرأه ومن كان على علم بالتاريخ وخاصة نشأة المذاهب في كل أمة ، وفشو البدع في كل ملة ، فهو الذي يفهم كنه المراد من هذه الآية فلو لا بغى رؤساء الدين والدنيا ونصر مذهب على مذهب لما تعصب لكل مذهب يشتق من الدين شيعة تنصره وتؤيده في كل مسألة وتقاوم كل من يقاومه وتضللهم متوكئة على علم الدين ومستندة إلى نصوصه بتفسير بعضها بالرأي والهوى وتأويل بعضها وتحريفه أو يوافق المذهب المنتحل .
ويجب على المسلم أن لا ينظم الآية في سمط أخبار التاريخ ولا في سلك علم الملل والنحل ، أو علم المناظرة والجدل ، بل يتلوها متذكرا أنها ما أنزلت إلا هداية وعبرة لمن يؤمن بالقرآن ليتقوا الخلاف في الدين والتفرق فيه إلى شيع ومذاهب اتباعا لسنن من قبلهم . نحن المسلمين نعتقد أن دين المسيح عليه السّلام هو الاسلام الذي بينا معناه آنفا وان أساسه التوحيد والتنزيه وأن الرؤساء الروحيين وغير الروحيين ، لا سيما الملوك والأحبار الرومانيين ، هم الذين بتفرقهم جعلوا ذلك الدين الإلهي الواحد مذاهب ينقض بعضها بعضا ، وأهله شيعا يفتك بعضهم ببعض ، وإنه لولا بغيهم لما تمزق شمل آريوس واتباعه الذين دعوا إلى التوحيد والتنزيه ، بعد فشو الشرك والتشبيه ، إذ حكم المجمع الذي ألفه الملك قسطنطين سنة 325 م بمقاومة آريوس وإحراق كتبه وتحريم اقتنائها ولما انتشر تعليمه من بعده قضى تيودوسيوس الثاني باستئصال مذهبه وإبادة الآريوسية بقانون روماني صدر في سنة 628 م وبقيت مذاهب التثليث يكافح بعضها بعضا ، نعيب ذلك عليهم ولكن يجب علينا أن لا ننسى أنفسنا ولا يغيب عنا ما أصبنا به من الخلاف والتفرق عسى أن يسعى أهل الايمان الصادق والغيرة في نبذ الاختلاف والشقاق ، والعود إلى الوحدة والاتفاق ، كما كنا على عهد النبي عليه الصلاة والسّلام ، وخلفائه الراشدين عليهم الرضوان « 1 »
هامش
( 1 ) قد فصلنا ذلك في محاورات المصلح والمقلد من المجلدين الثالث والرابع من المنار وقد طبعت المحاورات في كتاب ثمنه 5 قروش وأجرة البريد 8 مليمات