وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ
صرح كثير من المفسرين بأن شهادة اللّه هنا من باب الاستعارة ، لأن ما نصبه من الدلائل في الآفاق وفي الأنفس على توحيده وما أوحاه إلى أنبيائه في ذلك يشبه شهادة الشاهد بالشئ في إظهاره وإثباته .
وكذلك شهادة الملائكة عبارة عن إقرارهم بذلك كما قال البيضاوي . زاد أبو السعود وإيمانهم به وجعلها من باب عموم المجاز وشهادة أولى العلم عبارة عن إيمانهم به واحتجاجهم عليه . وقال بعضهم : إن الشهادة من كل بمعنى واحد لأنها إما عبارة عن الأخبار المقرون بالعلم وإما عبارة عن الاظهار والبيان ، وكل ذلك حاصل من اللّه والملائكة وأولى العلم - فاللّه تعالى أخبر بتوحيده ملائكته ورسله عن علم وبينه لهم أتم البيان والملائكة أخبروا الرسل وبينوا لهم ، وأولو العلم أخبروا بذلك وبينوه عالمين به ولا يزالون كذلك . وأقول : إن ما قاله الأولون ضعيف وأقرب التفسيرين للشهادة في القول الآخر أولهما . يقال : شهد الشئ إذا حضره وشاهده كقوله تعالى
( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ )
وقوله
( ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ )
ويقال شهد به إذا أخبر به عن مشاهدة بالبصر ، وهو الأكثر والأصل أو عن مشاهدة بالبصيرة وهي الاعتقاد والعلم كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف
( وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا )
وذلك أنهم أخبروا أباهم يعقوب بأن ابنه ( شقيق يوسف ) سرق عن اعتقاد لا عن مشاهدة بالبصر . وإنما سموا اعتقادهم علما لأنه لم يخطر في بالهم ما يعارض ما رأوه من إخراج صواع الملك من رحل شقيق يوسف بعد ما نودي فيهم بأن الصواع قد سرق . والحاصل أن الشهادة بالشئ هي الاخبار به عن علم بالمشاهدة الحسية أو المعنوية وهي الحجة والدليل وهو المختار هنا . ولكن يرد عليه هنا أنه إثبات للتوحيد بالنقل وهو فرع عنه . لأنه إذا لم يثبت توحيد اللّه لا يثبت الوحي . ويجاب عنه بأن شهادة اللّه في كتابه مؤيدة بالبراهين التي قرنها بها وبالآيات على صدق الرسل ، وشهادة الملائكة للأنبياء مقرونة بعلم ضروري هو عند الأنبياء أقوى من جميع اليقينيات البديهية . وبتلك الدلائل التي أمروا بأن يحتجوا بها على الناس ، وشهادة أولى العلم تقرن عادة بالدلائل والحجج لأن العالم بالشئ لا تعوزه الحجة عليه .
على أن الكلام في وحدانية الألوهية والمشرك بها لا يكون معطلا حتى يقال لا بد