من إقناعه بوجود اللّه قبل إقناعه بشهادته ، بل يكون مقرا بوجود اللّه ، وإنما شركه باتخاذ الوسطاء يكونون بزعمه وسائل بينه وبين اللّه يقربونه إليه زلفى وبالشفعاء يكونون في وهمه سببا لقضاء حاجاته وتكفير سيئاته ، كما كانت تدين العرب في الجاهلية
وقد اختلفوا في أولى العلم . فقيل هم الصحابة وقيل علماء أهل الكتاب وذهب الزمخشري إلى أنهم المعتزلة ، والرازي إلى أنهم علماء الأصول . وهذا من عجيب الخلاف ، فان أولى العلم لا يحتاجون إلى تعريف ولا تفسير ، فهم أصحاب العلم البرهاني القادرون على الاقناع وهم معروفون في هذه الأمة وفي الأمم السابقة
أما قوله تعالى
قائِماً بِالْقِسْطِ
فمعناه أنه تعالى شهد هذه الشهادة قائما بالقسط وهو العدل في الدين والشريعة ، وفي الكون والطبيعة ، فمن الأول تقرير العدل في الاعتقاد كالتوحيد الذي هو وسط بين التعطيل والشرك . ومن الثاني جعل سنن الخليقة في الأكوان والانسان الدالة على حقية الاعتقاد قائمة على أساس العدل فمن نظر في هذه السنن ونظامها الدقيق يتجلى له عدل اللّه العام ، فالقيام بالقسط على هذا من قبيل التنبيه إلى البرهان على صدق شهادته تعالى في الأنفس والآفاق لأن وحدة النظام في هذا العدل تدل على وحدة واضعه . وهذا مما يفند تفسير بعضهم للشهادة بأنها عبارة عن خلق ما يدل على الوحدانية من الآيات الكونية والنفسية . كذلك كانت أحكامه تعالى في العبادات والآداب والأعمال مبنية على أساس العدل بين القوى الروحية والبدنية وبين الناس بعضهم مع بعض . فقد أمر بذكره وشكره في الصلاة وغير الصلاة لترقية الروح وتزكيته ، وأباح الطيبات والزينة لحفظ البدن وتربيته ، ونهى عن الغلو في الدين والاسراف في الدنيا وذلك عين العدل ، فهذا هو القسط في العبادات والأعمال الدنيوية . وأما القسط في الآداب والأخلاق فهو صريح في القرآن كصراحة الأمر بالعدل في الأحكام قال تعالى :
( 16 : 9 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ )
وقال :
( 4 : 58 وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )
وإذ قد تجلى لك صدق الشهادة فعليك أن تقر بها قائلا
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
تفرد بالألوهية وكمال العزة والحكمة . فلا بغلبه أحد على ما قام به من سنن القسط ولا يخرج شئ منها عن مقتضى الحكمة البالغة