تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
ولا يقبضون أيديهم عن شئ من أعمال البر . وفسر مجاهد وغيره المستغفرين هنا بالمصلين لأن أهل التهجد في آخر الليل يطلبون بتهجدهم مغفرة اللّه ورضوانه فهؤلاء المفسرون يرون ان الاستغفار هو طلب المغفرة بالفعل لا بمجرد حركة اللسان . ومن يقول إنه الطلب باللسان فإنه يجعل من شروطه حضور القلب ولا يقول أحد يعتد بقوله ان استغفار اللسان وحده نافع بل قالوا إن المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزىء بربه . وفي مثل هذا الاستغفار ، الذي يغتر به الجهلة الأغرار ، قالت رابعة العدوية : استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير . وروى تفسير الاستغفار هنا بالصلاة في وقت السحر وبصلاة الصبح أي لأول وقتها وقيده زيد بن أسلم بصلاة الجماعة . وحكمة تخصيص وقت السحر : ان العبادة تكون حينئذ أشق على أهل البداية لأنه الوقت الذي يطيب فيه النوم ويعزب الرياء ، وأروح لأهل النهاية لأن النفس تكون أصفى والقلب أفرغ من الشواغل ومن مباحث اللفظ النكتة في نسق هذه الأوصاف بالعطف مع أن الأوصاف المعدودة تسرد غير معطوفة . ذكر الأستاذ الامام عن الزمخشري أن العطف يفيد كمال الموصوفين بهذه الأوصاف . وقال غيره من المفسرين اننا لا نعهد من معاني الواو الكمال في معطوفاتها ، ومن عنده ذوق في اللسان يجد في نفسه فرقا بين المعطوف وغيره وذكر أمثلة منها قول الشاعر :
ولو كان رمحا واحدا لاتقيته * ولكنه رمح وثان وثالث
وذكر الفرق بينه وبين ثلاثة رماح أو رمح اثنان ثلاثة وقال إن بيان الفرق ربما لا تفي به العبارة إلا مع الاستعانة بالسليقة ويمكن تقريب ذلك بان يقال إن الأوصاف المسرودة بغير عطف كالوصف الواحد وأما عطفها فيفيد ان كل واحد منها وصف مستقل . أقول وعبارة البيضاوي « وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كل واحدة منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها » وهي مبهمة وإيضاح الاستقلال ما قرأت آنفا . واما تغابر الموصوفين بها فمعناه هنا ان الذين اتقوا أصناف فمنهم الصابرون ومنهم الصادقون الخ والمراد الممتازون بالكمال في الصبر والصدق الخ وذلك لا يقتضى ان يكون كل صنف عاريا من صفات الآخر . وهذا ما ذهب اليه الرازي إذ قال « وأظن
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 253 | الشيخ محمد رشيد رضا