تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
لذلك قرن الأمر بالتواصى بالحق بالأمر بالتواصى بالصبر في سورة العصر ، والحق هو المقصود الأول من الدين ، وهو لا يقوم إلا بالصبر . وكما يحفظ النفس عند حدود الشرع يحفظ شرف الانسان في الدنيا عند المكاره ويحفظ حقوق الناس أن تغتالها أيدي المطامع . وكتب في تفسير سورة العصر « الصبر ملكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله والرضا بما يكره في سبيل الحق ، وهو خلق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق وما أتى الناس من شئ مثل ما أتوا من فقد الصبر أو ضعفه كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ضعف فيها كل شئ وذهبت منها كل قوة » : وأتى بأمثلة متعددة على ذلك ويعلم مما تقدم أن تقديم ذكر الصابرين على ما بعده لأنه كالشرط إذ لا يتم بدونه الصدق والقنوت والانفاق والاستغفار في الأسحار ، وهو الوقت الذي يطيب فيه النوم ويشق القيام . قال الأستاذ الامام : والصدق يكون في القول والعمل والوصف يقال فلان صادق في عمله صادق في جهاده وصادق في حبه كما يقال صادق في قوله أقول : ويدخل في ذلك الايمان والنية . والصدق منتهى الكمال في كل شئ ، وحسبك في بيان فضل الصدق وجزائه قوله عز وجل
( 39 : 33 وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 34 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 35 ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ )
فقد جعل الصدق ملاك الدين كله وجامع حقيقته ، وجعل أسوأ الذنوب معه مستحقا لأن يكفر ويغفر وأي ذنب يدنس نفس الصادق في إيمانه وأخلاقه وأقواله وأفعاله فيمنعها استحقاق المغفرة ؟ أليس أسوأ ما يمكن أن يلم به الصادق من الذنب بادرة غضب لا تلبث أن تفىء . أو نزوة شهوة لا تمكث أن تسكن ، فيكون مس طائف الشيطان ضعيفا قصير الأمد لا يقوى على إضعاف فضيلة تلك النفس القوية بالصدق ولا على إطفاء نورها وقد فسروا القانتين بالمطيعين وبالمداومين على الطاعة والعبادة وتقدم في سورة البقرة أن القنوت هو المداومة على الخشوع والضراعة ، أي على روح العبادة ولبابها على صورها ورسومها فقط والمنفقون معروفون ولم يعين النفقة ولا المنفق عليه فعلم أن المراد بهم المنفقون للمال في جميع الطرق المشروعة من واجبه ومستحبة لا يمنعون حقا