يقولون الخ . وقالوا في قوله تعالى
فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ
أنهم رتبوا طلب المغفرة والوقاية من النار على الايمان فدل ذلك على أن الايمان وحده غير كاف في استحقاقهما من غير توقف على العمل الصالح . وأقول قد يصح هذا إذا أريد مغفرة الشرك السابق على الايمان وما تبعه من الذنوب والوقاية من الخلود في النار بذلك . فان الاسلام يجب ما قبله كما ورد . ولا يمكن أن يصح إذا أريد به أن الانسان قد يكون مؤمنا ولا يعمل صالحا بل يكون منغمسا في المعاصي والخطايا ثم يكون مستحقا للمغفرة والوقاية من العذاب . فان العقل والنقل يحيلان هذا الفرض ذلك أن المعروف من سنة اللّه تعالى في الانسان أن عقائده الراسخة اليقينية لها السلطان الاعلى على أعماله البدنية . وما الايمان إلا الاعتقاد اليقيني الراسخ في العقل المهيمن على القلب . ولا عمل إلا عن فكر من العقل أو وجدان من القلب ، فأعمال المؤمن يجب أن تكون تابعة لايمانه لا تستبد دونه ولا تتحول على طاعته إلا لنسيان أو جهالة ، كغلبة انفعال يعرض ولا يلبث أن يزول وتقفى التوبة على أثره فتمحوه
( 4 : 17 إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )
فهذا دليل العقل . وأما النقل فالآيات التي يعسر إحصاؤها . ومنها في المغفرة قوله تعالى
( 20 : 82 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى )
وقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين
( 40 : 8 رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
- إلى قوله -
9 وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ )
والفرق بين وعده بالمغفرة وبين حكايته دعاء المستغفرين لا يحتاج إلى بيان ، على أن الآية التي نفسرها لا تعارض هذه الآيات وما في معناها بل تؤيدها لأن الدعاء فيها لم يرد به أن كل متق ينطق به نطقا بلسانه وإنما هو بيان لشأن المتقين الموصوفين بما يأتي في الآية التالية من أكمل صفات المؤمنين . على أنه لو لم يكن الكلام في المؤمنين المتقين ولو لم يوصفوا بعد الدعاء بما يأتي من الصفات بأن قيل : للذين آمنوا عند ربهم الخ الدعاء فقط . لكان لنا أن نقول : إن المراد بالايمان الايمان الصحيح الذي تصدر عنه آثاره من ترك المعاصي وعمل الصالحات لتتفق الآية مع سائر آيات القرآن الموافقة للعقل والعلم