تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
بطبيعة البشر ولاجماع السلف على أن الايمان قول واعتقاد وعمل . ولكن القوم غفلوا عن هذا وحجبوا عنه بالتماس ما يؤيدون به مذاهبهم ويفندون به ما خالفها وقد قررنا هذه الحقيقة في الايمان والعمل من قبل ولا نزال نبدىء القول فيها ونعيده لعل التكرار في المقامات المختلفة يؤثر في صخرة التقليد الصماء فيفتتها أو ينسفها نسفا ، فيعود المسلمون إلى إيمان القرآن الذي كان عليه السلف وصفوة علماء الخلف كحجة الاسلام الغزلى في المشرق وشيخ الاسلام ابن تيمية في الوسط والعلامة الشاطبى صاحب الموافقات في المغرب - كل هؤلاء من القرون الوسطى وحسبك بالأستاذ الامام من المتأخرين * * *
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
قال الأستاذ الامام : وصف اللّه المتقين بهذه الصفات التي استحقوا بها تلك الدرجات وهو الظاهر على القول بأن قوله
« الَّذِينَ يَقُولُونَ »
وصف للذين اتقوا وكذا على القول بأنه منصوب على المدح . أما على القول بأنه استئناف بيانى فالمراد بالوصف الوصف بالمعنى و
« الصَّابِرِينَ »
منصوب على المدح ، والمنصوب على المدح أو الاختصاص ليس كلاما مقطوعا مفصولا مما قبله كما يوهمه تقدير الفعل له . وإنما هو أسلوب بليغ في إيراد الصفة معربة بغير إعراب الموصوف ووجه البلاغة فيه من ثلاثة أوجه أحدها لفظي والآخران معنويان : أما اللفظي فهو أن اختلاف الاعراب يحدث في الذهن حركة جديدة فينتبه فضل انتباه إلى الكلام الجديد . وأما المعنويان فأحدهما بيان مزية خاصة في المقام لما به المدح ، كأن يقال هنا في التقدير : وأمدح من هؤلاء الذين يقولون ربنا إننا آمنا . الصابرين والصادقين الخ كأنه يشهد لهم بأنهم بهذه الصفات امتازوا على سائر المؤمنين وصاروا أحق بذلك الوعد . وثانيها تقرير أن هذه الصفات ممدوحة في ذاتها تقدم في تفسير سورة البقرة معنى الصبر وكيفية اكتسابه والاستعانة به وقال الأستاذ الامام هنا مجموع الآيات الواردة في الصبر تدلنا على أن الصبر هو حبس النفس عند كل مكروه يشق على النفس احتماله . وأكمل أنواعه الصبر على ملازمة الشريعة في المنشط والمكره . فعند ما تهب زوابع الشهوات فتزلزل الاعتقاد بقبح المعاصي وسوء عاقبتها يكون الصبر هو الذي يثبت الايمان ويقف بالنفس عند الحدود المشروعة