تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
تُفْلِحُونَ ( 46 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 47 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )
أقول وهذا مما نزل في واقعة بدر التي قيل إن الآية التي نفسرها نزلت فيها وان كان عاما في حكمه مطلقا في عبارته . أمر اللّه تعالى المؤمنين بالثبات وبكثرة ذكره الذي يشد عزائمهم وينهض هممهم وبالطاعة له تعالى ولرسوله . وكان هو القائد في تلك الواقعة - وطاعة القائد ركن من أركان الظفر - ونهاهم عن التنازع وأنذرهم عاقبته وهي الفشل وذهاب القوة وحذرهم أن يكونوا كأولئك المشركين من أهل مكة إذ خرجوا لقتال المسلمين لعلة البطر والطغيان ومراآة الناس بقوتهم وعزهم وهم يصدون عن سبيل اللّه . فبهذه الأوامر والنواهي تعرف سنة اللّه في نصر الفئة القليلة على الكثيرة . وقال تعالى في هذه السورة أيضا
( 8 : 60 وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ )
أورد الأستاذ الامام الآية الأولى من الآيات التي ذكرناها آنفا وهذه الآية فقط ثم قال ولا شك أن المؤمنين قد امتثلوا أمر اللّه تعالى في كل ما أوصاهم به بقدر طاقتهم فاجتمع لهم الاستعداد والاعتقاد ، فكان المؤمن يقاتل ثابتا واثقا والكافر متزلزلا مائقا ونصروا اللّه فنصرهم وفاء بوعده في قوله
( 47 : 7 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ )
وقوله
( 30 : 47 وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )
فالمؤمن من يشهد له بايمانه القرآن وإيتاؤه ما وعد اللّه المؤمنين لا من يدعى الايمان بلسانه ، وأخلاقه وأعماله وحرمانه مما وعد اللّه المؤمنين تكذب دعواه . وغزوات الرسول وأصحابه شارحة لما ورد من الآيات في ذلك وناهيك بغزوة أحد ، فإنهم لما خالفوا ما أمروا به نزل بهم ما نزل . وهذا أكبر عبرة لمن بعدهم لو كانوا يعتبرون بالقرآن ، ولكنهم أعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما اختاروا لأنفسهم . ولو عادوا اليه واتحدوا فيه واعتصموا بحبله لفازوا بالعز الدائم والسعادة الكبرى والسيادة العليا في الدنيا والآخرة