ومنها ما هو مبنى على أن الآيات نزلت في تقرير أمر التوحيد وما يتبعه والاتصال على هذا الوجه أظهر ، فإنه بعد ما بين أن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم التي أعرضوا عن الحق لأجلها بين وجه غرورهم بها للتحذير من جعلها آلة للغرور وترك الحق ، وللتذكير بأنه لا ينبغي أن تشغل الانسان عن الآخرة .
ومنها - وهو المختار عند الأستاذ الامام - أنه لما كان الكلام السابق يتضمن وعيد الكافرين جاء بعده بوعد المتقين وجعل له مقدمة بين فيها جميع أصول اللذات التي يتمتع بها الناس بحسب غرائزهم تمهيدا لتعظيم شأن ما بعدها من أمر الآخرة . أقول : يعنى أنه ليس المراد ذمها والتنفير عنها ، وإنما المراد التحذير من أن تجعل هي غاية الحياة .
والناس في قوله تعالى :
* * *
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
هم المكلفون لأن الكلام في إرشادهم ، فلا معنى للبحث في الأطفال هنا والشهوات جمع شهوة وهي انفعال النفس بالشعور بالحاجة إلى ما تستلذه . والمراد بها هنا المشتهيات على طريق المبالغة . وهي شائعة الاستعمال ، يقال : هذا الطعام شهوة فلان أي مشتهاه . ومعنى تزيين حبها لهم أن حبها مستحسن عندهم لا يرون فيه شيئا ( قبحا ) ولا غضاضة وقد يحب الانسان الشئ وهو يراه من الشين لا من الزين ومن الضار لا من النافع ، ويود لذلك لو لم يكن يحبه . ومثل لذلك الامام الرازي بحب المسلم لبعض المحرمات ومثل له الأستاذ الامام بحب بعض الناس للدخان على تأذيه منه . فكل من هذين المحبين يود لو انقلب حبه كرها وبغضا ، ومن أحب شيئا ولم يزين له يوشك أن يرجع عن حبه يوما وأما من زين له حبه لشئ فلا يكاد يرجع عنه لأن ذلك منتهى الحب وصاحبه لا يكاد يفطن لقبحه وضرره إن كان قبيحا أو ضارا ولا يحب أن يرجع وإن تأذى به . قال المجنون .
وقالوا لو تشاء سلوت عنها * فقلت لهم : وإني لا أشاء
ولذلك قال تعالى :
( 47 : 14 أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ )
وقد اختلف المفسرون في إسناد التزيين في هذا المقام