مثلي المؤمنين . فإذا كان الخطاب لمشركي مكة فهو ظاهر لأنه كان منهم من رأى ذلك وعلم به الآخرون وإذا كان لليهود فاليهود كانوا مشرفين أيضا بكل عناية على ما جرى ببدر وغير بدر من القتال بين المسلمين والمشركين على أن الكلام ليس نصا في وقعة بدر واليهود قد شهدوا مثل ذلك في الماضي . وقد علم أن القرآن يسند إلى الحاضرين من الأمة عمل الغابرين لإفادة معنى الوحدة والتكافل وظهور أثر الأوائل في الأواخر ورأوا مثله في زمن الخطاب في حربهم للمسلمين . وقوله تعالى
« رَأْيَ الْعَيْنِ »
مصدر مؤكد ليرونهم وهو ظاهر إذا كانت الرؤية بصرية وأما إذا كانت علمية اعتقادية ، كما ذهب إليه بعضهم . فالمعنى على التشبيه أي تعلمون أنهم مثليهم علما مثل العلم برؤية العين
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ
من الفئتين .
وجملة القول : أن الآية ترشد إلى الاعتبار بمثل الواقعة المشار إليها التي غلبت فيها فئة قليلة فئة كثيرة باذن اللّه . ولذلك قال
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
أي لأصحاب الابصار الصحيحة التي استعملت فيما خلقت لأجله من التأمل في الأمور بقصد الاستفادة منها لا لمن وصفوا بقوله
« 7 : 179 لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ »
وقال بعض المفسرين إن الابصار هنا بمعنى البصائر والعقول من باب المجاز . وقال بعضهم يعنى بأولى الابصار من أبصروا بأعينهم قتال الفئتين . وما ذكرته أظهر ولا أحفظ عن الأستاذ الامام في هذا شيئا . وإنما تكلم عن العبرة فقال ما مثاله مبسوطا مزيدا فيه :
وجه العبرة أن هناك قوة فوق جميع القوى قد تؤيد الفئة القليلة فتغلب الكثيرة باذن اللّه . وقد ورد في القرآن ما يمكن أن نفهم به سنته تعالى في مثل هذا التأييد لأن القرآن يفسر بعضه بعضا وبجب أخذه بجملته بل هذه الآية نفسها تهدى إلى السر في هذا النصر . فإنه قال
« فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
ومتى كان القتال في سبيل اللّه أي سبيل حماية الحق والدفاع عن الدين وأهله فان النفس تتوجه إليه بكل ما فيها من قوة وشعور ووجدان وما يمكنها من تدبير واستعداد مع الثقة بأن وراء قوتها معونة اللّه وتأييده ، ومما يوضح ذلك قوله تعالى
( 8 : 45 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ