فأسنده بعضهم إلى الشيطان ، لأن حب الشهوات مذموم لا سيما وقد أطلقت هنا فدخل فيها المحرمات في رأيهم ، ولأن حب كثرة المال مذموم في الدين بحسب فهمهم له ، ولأنه سمى ذلك متاع الحياة الدنيا وهي مذمومة عندهم ، ولأنه فضل عليه ما أعده للمتقين يوم القيامة . ويؤثر هذا الاسناد عن الحسن البصري . وأسنده بعضهم إلى اللّه تعالى لأنه تعالى أباح الزينة والطيبات وأنكر على من حرم ذلك بقوله
( 7 : 32 قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ )
فجعل اباحتها في الدنيا غير منافية لنيلها في الآخرة ، ولأنها قد تكون وسائل للآخرة بتكثير النسل وكثرة الصدقات والمبرات والجهاد . وعزى هذا القول إلى المعتزلة . وقال بعض المعتزلة بالتفصيل ، فقسم الشهوات إلى محمودة ومذمومة أو مباحة ومحرمة . وقال إن اللّه زين القسم الأول والشيطان زين القسم الثاني . أقول : وغفل الجميع عن كون الكلام في طبيعة البشر وبيان حقيقة الأمر في نفسه لا في جزئياته وأفراد وقائعه . فالمراد أن اللّه تعالى أنشأ الناس على هذا وفطرهم عليه . ومثل هذا لا يجوز اسناده إلى الشيطان بحال وانما يسند اليه ما قد يعد هو من أسبابه كالوسوسة التي تزين للانسان عملا قبيحا . ولذلك لم يسند اليه القرآن الا تزيين الأعمال قال تعالى
( 8 : 48 وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ )
الآية وقال
( 6 : 43 وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
وأما الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند الا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له . قال عز وجل
( 18 : 7 إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )
وقال
( 6 : 108 كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ )
فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع وفي هذا المعنى آيات أخرى
ثم بين المشتهيات التي يحبها الناس وحبها مزين لهم وله مكانة من نفوسهم بقوله
مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
فهذه ستة أنواع ( أولها ) النساء وحبهن لا يعلوه حب لشئ آخر من متاع الحياة الدنيا . فهن مطمح النظر وموضع الرغبة وسكن النفس ومنتهى الانس ، وعليهن ينفق أكثر ما يكسب الرجال في كدهم وكدحهم فكم افتقر في