تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
حال أهل المناكرة والجحود ومنا شئ اغترارهم بالباطل وأسباب استغنائهم عن ذلك الحق أو اشتغالهم عنه . وأهمها الأموال والأولاد فهي تنبؤهم هنا بأنها لا تغنى عنهم في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه . إذ يجمع اللّه فيه الناس ويحاسبهم بما عملوا ، بل ولا في أيام الدنيا لأن أهل الحق لا بد أن يغلبوهم على أمرهم وما أحوج الكافرين إلى هذا التذكير ، إن الجحود إنما يقع من الناس للغرور بأنفسهم وتوهمهم الاستغناء عن الحق فان صاحب القوة والجاه إذا وعظ بالدين عند هضم حق من الحقوق لا يؤثر فيه الوعظ ولكنه إذا رأى أن الحق له واحتاج إلى الاحتجاج عليه بالدين ، فإنه ينقلب واعظا بعد أن كان جاحدا فهم لظلمة بصيرتهم وغرورهم بما أوتوا من مال وولد وجاه يتبعون الهوى في الدين في كل حال قال : فسر مفسرنا ( الجلال )
« تُغْنِيَ »
بتدفع وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين وإنما تغنى هنا كيغنى في قوله عز وجل
( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) *
ولا أراك تقول إن معناها لن يدفع من الحق شيئا وإنما معنى
« مِنَ »
هنا البدلية أي إن أموالهم وأولادهم لن تكون بدلا لهم من اللّه تعالى تغنيهم عنه . فإنهم إذا تمادوا على باطلهم يغلبون على أمرهم في الدنيا ويعذبون في الآخرة كما سيأتي في الآية التي تلى ما بعد هذه بل توعدهم في هذه أيضا بقوله
« وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ »
الوقود بالفتح ( كصبور ) ما توقد به النار من حطب وغيره . قال الأستاذ الامام هنا : أي إنهم سبب وجود نار الآخرة كما أن الوقود سبب وجود النار في الدنيا أو أنهم مما توقد به ، ولا نبحث عن كيفية ذلك فإنه من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم ( راجع تفسير
« 2 : 24 وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ »
ففيها مزيد بيان ) ثم ذكر تعالى مثلا لهؤلاء الكافرين الذين استغنوا بما أوتوا في الدنيا عن الحق فعارضوه وناهضوه حتى ظفر بهم فقال * * *
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
بأن أهلكهم ونصر موسى على آل فرعون ومن قبله من الرسل على أممهم المكذبين ذلك بأنهم كانوا بكفرهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، فما أخذوا إلا بذنوبهم وما نصر الرسل ومن آمن معهم إلا بصلاحهم وإصلاحهم فاللّه تعالى لا يحابى ولا يظلم
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
على
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 232 | الشيخ محمد رشيد رضا