تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
من غير فرق ( فان قيل ) فالعارفون محيطون بكمال معرفة اللّه سبحانه حتى لا ينطوى عنهم شئ ؟ قلنا هيهات فقد بينا بالبرهان القطعي في كتاب ( المقصد الأسنى في معاني أسماء اللّه الحسنى ) أنه لا يعرف اللّه كنه معرفته إلا اللّه وان الخلائق وان اتسعت معرفتهم وغزر علمهم فإذا أضيف ذلك إلى علم اللّه سبحانه فما أوتوا من العلم إلا قليلا ، لكن ينبغي أن يعلم أن الحضرة الإلهية محيطة بكل ما في الوجود إذ ليس في الوجود إلا اللّه وأفعاله . فالكل من الحضرة الإلهية كما أن جميع أرباب الولايات في المعسكر حتى الحراس هم من المعسكر فهم من جملة الحضرة السلطانية وأنت لا تفهم الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل إلى الحضرة السلطانية فاعلم أن كل ما في الوجود داخل في الحضرة الإلهية ، ولكن كما أن السلطان له في مملكته قصر خاص وفي فناء قصره ميدان واسع ، ولذلك الميدان عتبة يجتمع عليها جميع الرعايا ولا يمكنون من مجاوزة العتبة ولا إلى طرف الميدان ثم يؤذن لخواص المملكة في مجاوزة العتبة ودخول الميدان والجلوس فيه على تفاوت في القرب والبعد بحسب مناصبهم وربما لم يطرق إلى القصر الخاص إلا الوزير وحده . ثم إن الملك يطلع الوزير من أسرار ملكه على ما يريد ويستأثر عنه بأمور لا يطلعه عليها فكذلك فافهم على هذا المثال تفاوت الخلق في القرب والبعد من الحضرة الإلهية فالعتبة التي هي آخر الميدان موقف جميع العوام ومردهم لا سبيل لهم إلى مجاوزتها فان جاوزوا حدهم استوجبوا الزجر والتنكيل . وأما العارفون فقد جاوزوا العتبة وانسرحوا في الميدان ولهم فيه جولان على حدود مختلفة في القرب والبعد وتفاوت ما بينهم كثير وان اشتركوا في مجاوزة العتبة وتقدموا على العوام المفترشين . واما حظيرة القدس في صدر الميدان فهي أعلى من أن تطأها أقدام العارفين وارفع من أن تمتد إليها أبصار الناظرين بل لا يلمح ذلك الجناب الرفيع صغير أو كبير الاغض من الدهشة والحيرة طرفه فانقلب اليه البصر خاسئا وهو حسير . فهذا ما يجب على العامي أن يؤمن به جملة وإن لم يحط به تفصيلا . فهذه هي الوظائف السبع الواجبة على عوام الخلق في هذه الأخبار التي سألت عنها . وهي حقيقة مذهب السلف وأما الآن فنشتغل بإقامة الدليل على أن الحق هو مذهب السلف اه