تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
أقول : ثم إن الغزالي أورد بعد هذا فصلا في الاحتجاج على أن مذهب السلف هو الحق . وقد علمت صفوة المذهب مما سلف . ونعود إلى تفسير باقي الآيات
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
لما كان المتشابه مزلة الاقدام ومدرجة الزائغين إلى الفتنة وصل الراسخون الاقرار بالايمان به بالدعاء بالحفظ من الزيغ بعد الهداية ، فإنهم لرسوخهم في العلم يعرفون ضعف البشر وكونهم عرضة للتقلب والنسيان والذهول ويعرفون أن قدرة اللّه فوق كل شئ وعلمه لا يحاط به ، وهو المحيط بكل شئ فيخافون أن يستزلوا فيقعوا في الخطأ والخطأ في هذا المقام قرين الخطر وليس للانسان بعد بذل جهده في إحكام العلم في مسائل الاعتقاد وإحكام العمل بحسن الاهتداء إلا اللجأ إلى اللّه تعالى بأن يحفظه من الزيغ العارض ويهبه الثبات على معرفة الحقيقة ، والاستقامة على الطريقة ، فالرحمة في هذا المقام هي الثبات والاستقامة واختاره الأستاذ الامام . أقول : ولا تلتفت في معنى الآية إلى مجادلة الأشعرية للمعتزلة في اسناد الازاغة إلى اللّه تعالى فإنه تعالى يسند اليه كل شئ في مقام تقرير الايمان به وذلك لا ينافي اختيار العبد في زيغه . فقد قال تعالى في سورة الصف
( 61 : 5 فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ )
ولكل مقام مقال . ومن مباحث الالفاظ في الآية أن قوله تعالى
« مِنْ لَدُنْكَ »
معناه من عندك فان « لدن » تستعمل بمعنى عند وان لم تكن مرادفة لها بل هي أخص وأقرب مكانا ولا للدى ، فقد فرقوا بينهما بخمسة أمور . ولا تستعمل لدن إلا في الشئ الحاضر فهي أدل على الاختصاص . فهذه الرحمة المطلوبة منه في هذا المقام هي العناية الإلهية والتوفيق الذي لا يناله العبد بكسبه ، ولا يصل اليه بسعيه ، ويؤيد ذلك : التعبير بالهبة ووصفه تعالى بالوهاب فان الهبة عطاء بلا مقابل * * *
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
جمع الناس وحشرهم واحد وجمعهم لذلك اليوم للجزاء فيه وهو يوم القيامة وكونه لا ريب فيه معناه اننا موقنون به لا نشك فيه لأنك أخبرت به ووعدت وأوعدت بالجزاء فيه . وليس معناه كمعنى
( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ )
أي