تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
طوعا ما كان في البداية كرها ويصير اعتقادا جزما ما كان في الابتداء مراء وشكا . وذلك بمشاهدة أهل الدين والمؤانسة بهم وسماع كلام اللّه ورؤية الصالحين وخبرهم وقرائن من هذا الجنس تناسب طباعهم مناسبة أشد من مناسبة الجدل والدليل . فإذا كان كل واحد من العلاجين يناسب قوما دون قوم وجب ترجيح الأنفع في الأكثر . فالمعاصرون للطبيب الأول المؤيد بروح القدس المكاشف من الحضرة الإلهية الموحى اليه من الخبير البصير بأسرار عباده وبواطنهم أعرف بالاصوب والأصلح قطعا فسلوك سبيلهم لا محالة أولى الوظيفة السابعة التسليم لأهل المعرفة وبيانه : انه يجب على العامي أن يعتقدان ما انطوى عنه من معاني هذه الظواهر وأسرارها ليس منطويا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن الصديق وعن أكابر الصحابة وعن الأولياء والعلماء الراسخين وأنه انما انطوى عنه لعجزه وقصور معرفته فلا ينبغي أن يقيس بنفسه غيره ولا تقاس الملائكة بالحدادين وليس ما تخلو عنه مخادع العجائز يلزم منه أن تخلو عنه خزائن الملوك فقد خلق الناس أشتاتا متفارقين كمعادن الذهب والفضة وسائر الجواهر فانظر إلى تفاوتهما وتباعد ما بينهما صورة ولونا وخاصية ونفاسة فكذلك القلوب معادن لسائر جواهر المعارف فبعضها معدن للنبوة والولاية والعلم ومعرفة اللّه تعالى وبعضها معدن للشهوات البهيمية والاخلاق الشيطانية بل ترى الناس يتفاوتون في الحرف والصناعات . فقد يقدر الواحد بخفة يده وحذاقة صناعته على أمور لا يطمع الآخر في بلوغ أوائلها فضلا عن غايتها ولو اشتغل بتعلمها جميع عمره فكذلك معرفة اللّه تعالى بل كما ينقسم الناس إلى جبان عاجز لا يطيق النظر إلى التطام أمواج البحر وان كان على ساحله ، وإلى من يطيق ذلك ولكن لا يمكنه الخوض في أطرافه وان كان قائما في الماء على رجله ، وإلى من يطيق ذلك لكن لا يطيق رفع الرجل عن الأرض اعتمادا على السباحة ، وإلى من يطيق السباحة إلى حد قريب من الشط لكن لا يطيق خوض البحر إلى لجته والمواضع المغرقة المخطرة وإلى من يطيق ذلك لكن لا يطيق الغوص في عمق البحر إلى مستقره الذي فيه نفائسه وجواهره ، فهكذا مثال بحر المعرفة وتفاوت الناس فيه مثله حذو القذة بالقذة