تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
فيه ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضا يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض . فان قيل : انما أمسكوا عنه لقلة الحاجة فان البدع انما نبغت بعدهم فعظم حاجة المتأخرين وعلم الكلام راجع إلى علم معالجة المرضى بالبدع . فلما قلت في زمانهم أمراض البدع قلت عنايتهم بجميع طرق المعالجة . فالجواب من وجهين ( أحدهما ) انهم في مسائل الفرائض ما اقتصروا على بيان حكم الوقائع بل وضعوا المسائل وفرضوا فيها ما تنقضى الدهور ولا يقع مثله لأن ذلك مما أمكن وقوعه فصنفوا علمه ورتبوه قبل وقوعه ، إذ علموا انه لا ضرر في الخوض فيه وفي بيان حكم الواقعة قبل وقوعها والعناية بإزالة البدع ونزعها عن النفوس أهم فلم يتخذوا ذلك صناعة لأنهم عرفوا ان الاستضرار بالخوض فيه أكثر من الانتفاع ، ولولا انهم كانوا قد حذروا من ذلك وفهموا تحريم الخوض لخاضوا فيه ( والجواب الثاني ) انهم كانوا محتاجين إلى محاجة اليهود والنصارى في اثبات نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى اثبات البعث مع منكريه ثم ما زادوا في هذه القواعد التي هي أمهات العقائد على أدلة القرآن فمن أقنعه ذلك قبلوه ومن لم يقنع قتلوه . وعدلوا إلى السيف والسنان بعد افشاء أدلة القرآن « 1 » وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات وتحرير طريق المجادلة وتذليل طرقها ومنهاجها . كل ذلك لعلمهم بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش ومن لا يقنعه أدلة القرآن لا يقمعه الا السيف والسنان فما بعد بيان اللّه بيان . على أننا ننصف ولا ننكر أن حاجة المعالجة تزيد بزيادة المرض وان لطول الزمان وبعد العهد عن عصر النبوة تأثيرا في إثارة الاشكالات وان للعلاج طريقين ( أحدهما ) الخوض في البيان والبرهان إلى أن يصلح واحد يفسد به اثنان فان صلاحه بالإضافة إلى الأكياس وفساده بالإضافة إلى البله وما أقل الأكياس وما أكثر البله . والعناية بالاكثرين أولى ( والطريق الثاني ) طريق السلف في الكف والسكوت والعدول إلى الدرة والسوط والسيف وذلك مما يقنع الأكثرين وان كان لا يقنع الأقلين وآية اقناعه ان من يسترق من الكفار من العبيد والإماء تراهم يسلمون تحت ظلال السيوف ثم يستمرون عليه حتى يصير
هامش
( 1 ) لا دليل على أنهم كانوا يقتلون من لم يقتنع وانما ضرب عمر من ابتغى الفتنة