مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى
- إلى قوله -
أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى )
وبقوله
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
- إلى قوله
- فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى )
وأمثال ذلك كثير في القرآن . فلا ينبغي أن يزاد عليه . فان قيل : فهذه الأدلة التي اعتمدها المتكلمون وقرروا وجه دلالتها فما بالهم يمتنعون عن تقرير هذه الأدلة ولا يمنعون عنها ، وكل ذلك مدرك بنظر العقل وتأمله ؟ فان فتح للعامي باب النظر فليفتح مطلقا أو ليسد عليه طريق النظر رأسا وليكلف التقليد من غير دليل ( الجواب ) أن الأدلة تنقسم إلى ما يحتاج فيه إلى تفكر وتدقيق خارج عن طاقة العامي وقدرته وإلى ما هو جلى سابق إلى الأفهام ببادى الرأي من أول النظر مما يدركه كافة الناس بسهولة . فهذا لا خطر فيه . وما يفتقر إلى التدقيق فليس على حد وسعه . فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان . وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس ويستضر به الأكثرون ، بل أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبى الرضيع والرجل القوى ، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة ويمرضون بها أخرى ، ولا ينتفع بها الصبيان أصلا ، ولهذا قلنا أدلة القرآن أيضا ينبغي أن يصغى إليها إصغاءه إلى كلام جلى ولا يمارى فيه إلا مراء ظاهرا . ولا يكلف نفسه تدقيق الفكر وتحقيق النظر . فمن الجلى أن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر كمال قال
( هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ )
وإن التدبير لا ينتظم في دار واحدة بمدبرين فكيف ينتظم في كل العالم ، وأن من خلق علم ، كما قال تعالى
( أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ )
فهذه الأدلة تجرى للعوام مجرى الماء الذي جعل اللّه منه كل شئ حي وما أخذه المتكلمون وراء ذلك من تنقير وسؤال وتوجيه إشكال ثم اشتغال بحله فهو بدعة وضرره في حق أكثر الخلق ظاهر ، فهو الذي ينبغي أن يتوقى . والدليل على تضرر الخلق به المشاهدة والعيان والتجربة ، وما ثار من الشر منذ نبغ المتكلمون وفشت صناعة الكلام مع سلامة العصر الأول من الصحابة عن مثل ذلك . ويدل عليه أيضا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم لا لعجز منهم عن ذلك فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا