تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
العوام فكيف يسلط العوام في مثل ذلك على التصرف بالجمع والتفريق والتأويل والتفسير وأنواع التغيير . ولأجل هذه الدقائق بالغ السلف في الجمود والاقتصار على موارد التوقيف كما ورد على الوجه الذي ورد ، وباللفظ الذي ورد ، والحق ما قالوه والصواب ما رأوه . فأهم المواضع بالاحتياط ما هو تصرفه في ذات اللّه وصفاته وأحق المواضع بالجام اللسان وتقييده عن الجريان فيما يعظم فيه الخطر وأي خطر أعظم من الكفر ؟ الوظيفة السادسة في الكف بعد الامساك وأعنى بالكف كف الباطن عن التفكر في هذه الأمور فذلك واجب عليه كما وجب عليه إمساك اللسان عن السؤال والتصرف وهذا أثقل الوظائف وأشدها وهو واجب كما وجب على العاجز الزمن أن لا يخوض غمرة البحار وإن كان يتقاضاه طبعه أن يغوص في البحار ويخرج دررها وجواهرها ولكن لا ينبغي أن يغره نفاسة جواهرها مع عجزه عن نيلها بل ينبغي أن ينظر إلى عجزه وكثرة معاطبها ومهالكها ويتفكر أنه إن فاته نفائس البحار فما فاته إلا زيادات وتوسعات في المعيشة وهو مستغن عنها . فان غرق أو التقمه تمساح فاته أصل الحياة . فان قلت إن لم ينصرف قلبه من التفكر والتشوف إلى البحث فما طريقه ؟ قلت طريقه أن يشغل نفسه بعبادة اللّه وبالصلاة وبقراءة القرآن والذكر . فإن لم يقدر فبعلم آخر لا يناسب هذا الجنس من لغة أو نحو أو خط أو طب أو فقه ؛ فإن لم يمكنه فبحرفة أو صناعة ولو الحراثة والحياكة . فإن لم يقدر فبلعب ولهو وكل ذلك خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره وعمقه العظيم خطره وضرره ، بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له من أن يخوض في البحث عن معرفة اللّه تعالى فان ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك . وإن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء . فان قلت العامي إذا لم تسكن نفسه إلى الاعتقادات الدينية إلا بدليل فهل يجوز أن يذكر له الدليل ، فان جوزت ذلك فقدر خصت له في التفكر والنظر ، وأي فرق بينه وبين غيره ؟ الجواب أنى أجوز له أن يسمع الدليل على معرفة الخالق ووحدانيته وعلى صدق الرسول وعلى اليوم الآخر ولكن بشرطين ( أحدهما ) أن لا يزاد معه على الأدلة التي في القرآن ( والآخر ) أن لا يمارى فيه إلا مراء ظاهرا ولا يتفكر