مع الاستغناء عنه فباء بالاثم . أما الآن وقد فشا ذلك في بعض البلاد فالعذر في إظهار شئ من ذلك رجاء لا ماطة الأوهام الباطلة عن القلوب أظهر واللوم عن قائله أقل
فان قيل : فقد فرقتم بين التأويل المقطوع والمظنون ، فبماذا يحصل القطع بصحة التأويل ؟ قلنا بأمرين ( أحدهما ) أن يكون المعنى مقطوعا ثبوته للّه تعالى كفوقية المرتبة ( والثاني ) أن لا يكون اللفظ إلا محتملا لأمرين وقد بطل أحدهما وتعين الثاني . مثاله قوله تعالى :
( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) *
فإنه إن ظهر في وضع اللسان أن الفوق لا يحتمل إلا فوقية المكان أو فوقية الرتبة ، ولما بطل فوقية المكان لمعرفة التقديس لم يبق إلا فوقية الرتبة ، كما يقال : السيد فوق العبد والزوج فوق الزوجة ، والسلطان فوق الوزير ، فاللّه فوق عباده بهذا المعنى وهذا كالمقطوع به في لفظ الفوق وانه لا يستعمل في لسان العرب إلا في هذين المعنيين . أما لفظ الاستواء إلى السماء وعلى العرش ربما لا ينحصر مفهومه في اللغة هذا الانحصار وإذا تردد بين ثلاثة معان : معنيان جائزان على اللّه تعالى ، ومعنى واحد هو الباطل فتنزيله على أحد المعنيين الجائزين أن يكون بالظن وبالاحتمال المجرد . وهذا تمام النظر في الكف عن التأويل .
( التصرف الثالث الذي يجب الامساك عنه : التصريف ) ومعناه أنه إذا ورد قوله تعالى
( اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) *
فلا ينبغي أن يقال مستو ، ويستوى لأن دلالة قوله هو مستو على العرش على الاستقرار أظهر من قوله
( رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ )
الآية بل هو كقوله
( خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ )
فان هذا يدل على استواء قد انقضى من اقبال على خلقه أو على تدبير المملكة بواسطته ففي تغيير التصاريف ما يوثق في تغيير الدلالات والاحتمالات فليجتنب التصريف كما يجتنب الزيادة . فان تحت التصريف الزيادة والنقصان .
( التصرف الرابع الذي يجب الامساك عنه : القياس والتفريع ) مثل أن يرد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد والعضد والكف مصيرا إلى أن هذا من لوازم اليد وإذا ورد الأصبع لم يجز ذكر اللحم والعظم والعصب وإن كانت اليد المشهورة لا تنفك عنه . وأبعد من هذه الزيادة اثبات الرجل عند ورود اليد ، واثبات الفم عند ورود العين أو عند ورود الضحك ، واثبات الأذن والعين عند ورود