وله تأثير عظيم في تحريك الدواعي للتهجد الذي هو أفضل العبادات فلو ترك هذا الحديث لبطلت هذه الفائدة العظيمة ولا سبيل إلى إهمالها وليس فيه إلا إيهام لفظ النزول عند الصبى والعامي الجاري مجرى الصبى وما أهون على البصير أن يغرس في قلب العامي التنزيه والتقديس عن صورة النزول بأن يقول له ان كان نزوله إلى السماء الدنيا ليسمعنا نداءه وقوله فما أسمعنا ، فأي فائدة في نزوله ؟ ولقد كان يمكنه أن ينادينا كذلك وهو على العرش أو على السماء العليا . فهذا القدر يعرف العامي أن ظاهر النزول باطل بل مثاله أن يريد من في المشرق إسماع شخص في المغرب ومناداته فتقدم إلى المغرب بأقدام معدودة وأخذ يناديه وهو يعلم أنه لا يسمع فيكون نقله الاقدام عملا باطلا وفعلا كفعل المجانين فكيف يستقر مثل هذا في قلب عاقل ؟ بل يضطر بهذا القدر كل عامي إلى أن يتيقن نفى صورة النزول ، وكيف وقد علم استحالة الجسمية عليه واستحالة الانتقال على غير الأجسام كاستحالة النزول من غير انتقال . فاذن الفائدة في نقل هذه الأخبار عظيمة والضرر يسير فأنى يساوى هذا حكاية الظنون المنقدحة في الأنفس ؟
فهذه سبل تجاذب طرق الاجتهاد في إباحة ذكر التأويل المظنون أو المنع . ولا يبعد ذكر وجه ثالث وهو أن ينظر إلى قرائن حال السائل والمستمع فان علم أنه ينتفع به ذكره وان علم أنه يتضرر تركه وان ظن أحد الأمرين كان ظنه كالعلم في إباحة الذكر وكم من إنسان لا تتحرك داعيته باطنا إلى معرفة هذه المعاني ولا يحيك في نفسه إشكال من ظواهرها فذكر التأويل معه مشوش . وكم من انسان يحيك في نفسه إشكال الظاهر حتى يكاد أن يسوء اعتقاده في الرسول عليه السّلام وينكر قوله الموهم فمثل هذا لو ذكر معه الاحتمال المظنون بل مجرد الاحتمال الذي ينبو عنه اللفظ انتفع به ولا بأس بذكره معه فإنه دواء لدائه وان كان داء في غيره ولكن لا ينبغي أن يذكر على رؤوس المنابر ، لأن ذلك يحرك الدواعي الساكنة من أكثر المستمعين وقد كانوا عنه غافلين وعن اشكاله منفكين . ولما كان زمان السلف الأول زمان سكون القلب بالغوا في الكف عن التأويل خيفة من تحريك الدواعي وتشويش القلوب فمن خالفهم في ذلك الزمان فهو الذي حرك الفتنة وألقى هذه الشكوك في القلوب
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 221
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٢١