الولاية والوراثة وما يترتب على النسب ، فقالوا مع ذلك تجب العدة على العقيم والآيسة والصغيرة وعند العزل لأن باطن الأرحام إنما يطلع عليه علام الغيوب فإنه يعلم ما في الأرحام فلو فتحنا باب النظر إلى التفصيل كنا راكبين متن الخطر فايجاب العدة حيث لا علوق أهون من ركوب هذا الخطر فكما أن إيجاب العدة حكم شرعي فتحريم تبديل العربية حكم شرعي ثبت بالاجتهاد وترجيح طريق الأولى ، ويعلم أن الاحتياط في الخبر عن اللّه وعن صفاته وعما أراده بألفاظ القرآن أهم وأولى من الاحتياط في العدة ومن كل ما احتاط به الفقهاء من هذا القبيل .
( أما التصريف الثاني التأويل ) وهو بيان معناه بعد إزالة ظاهره وهذا إما أن يقع من العامي نفسه أو من العارف مع العامي أو من العارف مع نفسه بينه وبين ربه فهذه ثلاثة مواضع ( الأول ) تأويل العامي على سبيل الاشتغال بنفسه وهو حرام يشبه خوض البحر المغرق ممن لا يحسن السباحة ، ولا شك في تحريم ذلك ، وبحر معرفة اللّه أبعد غورا وأكثر معاطب ومهالك من بحر الماء لأن هلاك هذا البحر لا حياة بعده وهلاك بحر الدنيا لا يزيل إلا الحياة الفانية وذلك يزيل الحياة الأبدية فشتان بين الخطرين ( الموضع الثاني ) أن يكون ذلك من العالم مع العامي وهو أيضا ممنوع . ومثاله أن يجر السباح الغواص في البحر مع نفسه عاجزا عن السباحة مضطرب القلب والبدن وذلك حرام لأنه عرضه لخطر الهلاك . فإنه لا يقوى على حفظه في لجة البحر ، وإن قدر على حفظه في القرب من الساحل ولو أمره بالوقوف بقرب الساحل لا يطيعه وإن أمره بالسكون عند التطام الأمواج وإقبال التماسيح وقد فغرت فاها للانتقام اضطرب قلبه وبدنه ولم يسكن على حسب مراده لقصور طاقته . وهذا هو المثال الحق للعالم إذا فتح للعامي باب التأويلات والتصرف في خلاف الظواهر . وفي معنى العوام الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه والمتكلم بل كل عالم سوى المتجردين لتعلم السباحة في بحار المعرفة القاصرين أعمارهم عليه الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات المعرضين عن المال والجاه والخلق وسائر اللذات ، المخلصين للّه تعالى في العلوم والأعمال العاملين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 216
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢١٦