دون الدماغ لو سبقت به إرادته الأزلية وحقت به الكلمة القديمة التي هي علمه فصار خلافه ممتنعا لا لقصور في ذات القدرة لكن لاستحالة ما يخالف الإرادة القديمة والعلم السابق الأزلي ولذلك قال
( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) *
وإنما لا تتبدل لوجوبها وإنما وجوبها لصدورها عن إرادة أزلية واجبة ونتيجة الواجب واجبة ونقيضها محال . وإن لم يكن محالا في ذاته ولكنه محال لغيره وهو افضاؤه إلى أن ينقلب العلم الأزلي جهلا ، ويمتنع نفوذ المشيئة الأزلية فاذن إثبات هذه النسبة للّه تعالى مع العرش في تدبير المملكة بواسطته إن كان جائزا عقلا فهل هو واقع وجودا ؟ هذا مما قد يتردد فيه الناظر ، وربما يظن وجود هذا مثال الظن في نفس المعنى ، والأول مثال الظن في كون المعنى مرادا باللفظ ، مع كون المعنى في نفسه صحيحا جائزا ، وبينهما فرقان لكن كل واحد من الظنين إذا انقدح في النفس وحاك في الصدر فلا يدخل تحت الاختيار دفعه عن النفس ولا يمكنه أن لا يظن فان للظن أسبابا ضرورية لا يمكن دفعها ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها لكن عليه وظيفتان ( إحداهما ) أن لا يدع نفسه تطمئن إليه جزما من غير شعور بامكان الغلط فيه ولا ينبغي أن يحكم مع نفسه بموجب ظنه حكما جازما ( والثانية ) أنه ان ذكره لم يطلق القول بأن المراد بالاستواء كذا أو المراد بالفوق كذا ، لأنه حكم بما لا يعلم وقد قال اللّه تعالى
( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )
لكن يقول : أنا أظن أنه كذا فيكون صادقا في خبره عن نفسه وعن ضميره ولا يكون حكما على صفة اللّه ولا على مراده بكلامه بل حكما على نفسه ونبأ عن ضميره .
فان قيل : وهل يجوز ذكر هذا الظن مع كافة الخلق والتحدث به كما اشتمل عليه ضميره ؟ وكذلك لو كان قاطعا فهل له أن يتحدث به ؟ قلنا : تحدثه به إنما يكون على أربعة أوجه ، فاما أن يكون مع نفسه أو مع من هو مثله في الاستبصار ، أو مع من هو مستعد للاستبصار بذكائه وفطنته وتجرده لطلب معرفة اللّه تعالى أو مع العامي فإن كان قاطعا فله أن يحدث نفسه به ويحدث من هو مثله في الاستبصار أو من هو متجرد لطلب المعرفة مستعدله خال عن الميل إلى الدنيا والشهوات والتعصبات للمذاهب وطلب المباهاة بالمعارف والتظاهر بذكرها مع العوام . فمن اتصف بهذه الصفات فلا بأس بالتحدث معه لأن