تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
المفرغين قلوبهم بالجملة عن غير اللّه تعالى للّه المستحقرين للدنيا بل الآخرة والفردوس الأعلى في جنب محبة اللّه تعالى . فهؤلاء هم أهل الغوص في بحر المعرفة وهم مع ذلك كله على خطر عظيم يهلك من العشرة تسعة إلى أن يسعد واحد بالدر المكنون والسر المخزون ، أولئك الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى فهم الفائزون وربك أعلم بما تكن صدورهم وما يعلنون ( الموضع الثالث ) تأويل العارف مع نفسه في سر قلبه بينه وبين ربه وهو على ثلاثة أوجه ، فان الذي انقدح في سره انه المراد من لفظ الاستواء والفوق مثلا إما أن يكون مقطوعا به أو مشكوكا فيه أو مظنونا ظنا غالبا فإن كان قطعيا فليعتقده وإن كان مشكوكا فليجتنبه ولا يحكمن على مراد اللّه تعالى ومراد رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من كلامه باحتمال يعارضه مثله من غير ترجيح بل الواجب على الشاك التوقف . وإن كان مظنونا فاعلم أن للظن متعلقين ( أحدهما ) أن المعنى الذي انقدح عنده هل هو جائز في حق اللّه تعالى أم هو محال ( والثاني ) أن يعلم قطعا جوازه لكن تردد في أنه هل هو مراد أم لا ( مثال الأول ) تأويل لفظ الفوق بالعلو المعنوي الذي هو المراد بقولنا السلطان فوق الوزير ، فانا لا نشك في ثبوت معناه للّه تعالى لكنا ربما نتردد في أن لفظ الفوق في قوله
( يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ )
هل أريد به العلو المعنوي أم أريد به معنى آخر يليق بجلال اللّه تعالى دون العلو بالمكان الذي هو محال على ما ليس بجسم ولا هو صفة في جسم ( ومثال الثاني ) تأويل لفظ الاستواء على العرش بأنه أراد به النسبة الخاصة التي للعرش ونسبته أن اللّه تعالى يتصرف في جميع العالم ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض بواسطة العرش ، فإنه لا يحدث في العالم صورة ما لم يحدثه في العرش كما لا يحدث النقاش والكاتب صورة وكلمة على البياض ما لم يحدثه في الدماغ بل لا يحدث البناء صورة الابنية ما لم يحدث صورتها في الدماغ فبواسطة الدماغ يدبر القلب أمر عالمه الذي هو بدنه فربما نتردد في أن إثبات هذه النسبة للعرش إلى اللّه تعالى هل هو جائز إما لوجوبه في نفسه أو لأنه أجرى به سنته وعادته وإن لم يكن خلافه محالا كما أجرى عادته في حق قلب الانسان بان لا يمكنه التدبير إلا بواسطة الدماغ ، وإن كان في قدرة اللّه تعالى تمكينه منه