ادعى المعرفة فقد كذب . وهذا معنى قول مالك : الكيفية مجهولة يعنى تفصيل المراد به غير معلوم ، بل الراسخون في العلم والعارفون من الأولياء إن جازوا في ميدان المعرفة حدود العوام وجالوا في المعرفة وقطعوا من بواديها أميالا كثيرة فما بقي لهم مما لم يبلغوه وهو بين أيديهم أكثر ، بل لا نسبة لما طوى عنهم إلى ما كشف لهم لكثرة المطوى وقلة المكشوف بالإضافة اليه وبالإضافة إلى المطوى المستور قال سيد الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليه « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وبالإضافة إلى المكشوف قال صلوات اللّه عليه « أعرفكم باللّه أخوفكم للّه وأنا أعرفكم باللّه » ولأجل كون العجز والقصور ضروريا في آخر الأمر بالإضافة إلى منتهى الحال ، قال سيد الصديقين : العجز عن درك الادراك إدراك . فأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة إلى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة إلى خواص الخلق فكيف لا يجب عليهم الاعتراف بالعجز ؟
الوظيفة الرابعة - السكوت عن السؤال
وذلك واجب على العوام لأنه بالسؤال متعرض لما لا يطيقه وخائض فيما ليس أهلا له . فان سأل جاهلا راد جوابه جهلا . وربما ورطه في الكفر من حيث لا يشعر وإن سأل عارفا عجز العارف عن تفهيمه بل عجز عن تفهيم ولده مصلحته في خروجه إلى المكتب ، بل عجز الصائغ عن تفهيم النجار دقائق صناعته فان النجار وإن كان بصيرا بصناعته فهو عاجز عن دقائق الصياغة لأنه إنما يعلم دقائق النجر لاستغراقه العمر في تعلمه وممارسته . فكذلك يفهم الصائغ الصياغة أيضا لصرف العمر إلى تعلمه وممارسته ، وقبل ذلك لا يفهمه فالمشغولون بالدنيا وبالعلوم التي ليست من قبيل معرفة اللّه عاجزون عن معرفة الأمور الإلهية عجز كافة المعرضين عن الصناعات عن فهمها بل عجز الصبى الرضيع عن الاغتذاء بالخبز واللحم لقصور في فطرته لا لعدم الخبز واللحم ولا لأنه قاصر على تغذية الأقوياء لكن طبع الضعفاء قاصر عن التغذى به . فمن أطعم الصبى الضعيف اللحم والخبز أو مكنه من تناوله فقد أهلكه وكذلك العامة إذا طلبوا بالسؤال هذه المعاني يجب زجرهم ومنعهم وضربهم بالدرة ، كما كان يفعله عمر رضى اللّه عنه بكل من سأل عن الآيات
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 213
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢١٣